١٢ - هذه حاجاتك الحقيقية فاطلبها من ربك
تحرير الأخت الفاضلة أمجاد عبد العال
مما جاء في دعاء الإمام الحسين (ع)، في يوم عرفة، والذي يستحب أن يقرأ في سائر الأيام، بل ينبغي أن تحفظ مقاطع منه ولو أمكن حفظ كل الدعاء لكان خيرا، لما فيه من التعليم والتهذيب والتربية وبناء العلاقة المثلى مع الخالق العظيم، جاء فيه: "اللهم اجعل غناي في نفسي، واليقين في قلبي، والإخلاص في عملي، والنور في بصري، والبصيرة في ديني، ومتعني بجوارحي واجعل سمعي وبصري الوارثين مني، وانصرني على من ظلمني، وأرني فيه ثأري ومأربي، وأقر بذلك عيني. اللهم اكشف كربتي واستر عورتي، واغفر لي خطيئتي، واخسأ شيطاني، وفك رهاني، واجعل يا إلهي الدرجة العليا في الآخرة والأولى"، صدق سيدنا ومولانا أبو عبد الله الحسين سلام الله عليه.
يعلمنا الإمام الحسين، في هذا الدعاء، وسائر الأئمة، في سائر الأدعية، أمورا كثيرة، يعلموننا صفات الله عز وجل، وهي مباحث ي التوحيد عالية. يعلموننا أدب الخطاب مع الله عز وجل، وهو في مبحث في الأخلاق والعبادة مهم، ويعلموننا أيضا حاجاتنا الحقيقية في هذه الدنيا.
قسم من الناس يغفلون عن هدف حياتهم، وحين يغفل الإنسان عن هدف حياته، تراه يسير، ولكن على غير هدى. هل رأيت عبد الطاغوت؟ كما ورد في القرآن الكريم. هؤلاء يعيش الواحد منهم سبعين سنة، ولكن بدل أن يكون عبدا لله عز وجل، يكون عبدا للطاغوت، حركته، فكره، عمله، عمره، كله، في سبيل الطاغوت. ترى إذا جاء يوم القيامة هذا ماذا سيكون نتيجة أمره! عبدة الأهواء، تراه يركض من الصباح إلى المساء، لأجل إشباع غرائزه بحرام، بشبهة، بغير ذلك، لا يهمه. يستنفد عمره في عبادة فرجه، وبطنه، وأهوائه. ضيع البوصلة. لم يعرف هدف حياته، لم يعرف حاجاته الحقيقية. هنا يأتي دور الدعاء. من جملة ما يفعل: أنه يعرِّف الإنسان حاجاته الحقيقية، ويبصرِّه بها، ويدعوه بالتالي إلى السعي وراءها، والاستعانة بالله من أجل تحقيقها. وهذه الفقرات من جملة ذلك.
"اللهم اجعل غناي في نفسي"، غنى النفس: لو أن إنسانا، صارت نفسه غنية، امتلك غنى في نفسه، ما مد يده إلى غير الله عز وجل، وما تطلع طامعا إلى ما عند الآخرين، وهذا - غنى النفس - لا يرتبط بالفقر المادي، لا، قد يكون إنسان مليارديرا، ومع ذلك هو فقير في نفسه، يطمع في كوخ إلى جانبه، وهو يمتلك القصور، ويطمع في زوجة عند شاب، وهو يمتلك الأموال ما يستطيع أن يأتي بأمثالها وأضعافها. النفس عندما تكون صغيرة، ضيقة، فقيرة، يبدأ الإنسان يمد عينه هنا وهناك، يريد أثاث غيره، وبيت غيره، ووظيفة غيره، وزوجة غيره، ومنصب غيره، وسيارة غيره. ومن هنا، يتكون الحسد، هذا هو من مناشئ الحسد، الذي يطمع في الإنسان، أحيانا، أن يزول خير غيره، ونعمة غيره، لكي تأتي إليه. أما غني النفس، لا يحركه شيء، مائدة طويلة عريضة تعرض عليه، وعنده خبز وجبن، يقول: الحمد لله رب العالمين، هذا يشبعني وذاك يتخمني. لا يمد عينه، هذا هو عين الزهد، أن لا يرجو ما ليس عنده مما هو عند الآخرين.
"اللهم اجعل غناي في نفسي" لأن أي غنى آخر، من الممكن أن يزول، أما غنى النفس، والاكتفاء، والقناعة، والرضا بما قسم الله عز وجل، لهذا الإنسان، وعدم القفز هنا وهناك، تمنيا ورغبة، وسطوة، وسيطرة، هذه هي النفس الكبيرة العظيمة. يدعو الإمام الحسين (ع)، ويعلمنا أن ندعو ربنا أن يكون غنانا، ليس برصيدنا، غنانا ليس في جيبنا، غنانا ليس في حسابنا، وإنما غنانا هو في أنفسنا. وآنئذ إن كان رصيدي أعلى الأرصدة أو كان أدنى الأرصدة، لن يختلف الحال، بالنسبة لغني النفس في شيء.