وعطفت علي قلوب الحواضن، كفلتني الأمهات الرواحم، سقيتني من الغذاء لبنا مريا، كل ذلك من الكائن العظيم، المسمى بالأم.
هنا لا بد أن أشير إلى نقطة مهمة جدا، وهي أن الله سبحانه وتعالى جعل في نفس الأم حاجة للإرضاع، كما جعل في نفس الطفل احتياجا. الأم تحتاج إلى أن ترضع ابنها لتحقق ذاتها، لتشعر بالالتحام مع طفلها، لتؤدي دورها الطبيعي، تلتذ بذلك، ترتاح إلى إرضاع طفلها. كما أن الطفل يحتاج إلى أن يأخذ الغذاء من أمه، والرحمة والحنان والعطف.
الإرضاع ليس مجرد إشباع، وإنما هو التحام بين كائنين، وبين جسدين، وبين روحين، لذلك ينبغي أن ألا تحرم الأم من طفلها، كما لا يحرم الطفل من أمه. لا يجوز للإنسان، لمشاكل بينه وبين زوجته، أن يجعل الطفل ضحية فينتزع من أمه هذا الطفل؛ تعذيبا لها وإيذاء لها، فإنه يعذب الطفل أيضا.
كما لا يصح للأم، وللمرأة بأي داع من الدواعي، بعضهن والعياذ بالله، من أجل أن تحافظ على جمالها، كما تقول، من أجل أن تحافظ على استقامة بدنها، وقوام صدرها، تمنع طفلها من شيء جعله الله إليه، ورتب الله بدنها على أساسه، وجعل كل غدة فيه تتفاعل مع هذه الوظيفة، لا يصح ذلك أبدا، أن تحرم الأم طفلها أو طفلتها من الارتضاع، لأنها تزعم أنها تزعم أنها تريد أن تحافظ على جمال جسمها، أو أنها والعياذ بالله مشغولة بتحصيل المال، وبالعمل. هذا الدور الأعظم والأرقى، هذا إعطاء الحياة، فلا يصح للأم أن تصنع ذلك، هي بهذا تظلم طفلها، بل تظلم نفسها. ولكنها لن تستشعر ذلك إلا في وقت متأخر.
"وعطفت علي قلوب الحواضن وكفلتني الأمهات الرواحم، وكلأتني من طوارق الجآن"، الجآن في اللغة، يعني: الشيء الخفي، الكلمة المكونة من جيم ونون ونون، يشير إلى شيء من الخفاء، لذلك قيل للجآن، أو الجن هذا، باعتبار أنه شيء خفي لا يرى، ويقال للجنين أيضا جنين، ما دام في بطن أمه، لأنه لا يرى، ويقال للجنة، بلغنا الله وإياكم إياها، لأنها الجنة في اللغة هي ما اختفى داخلها لعلو أشجار ظاهرها.
"كلأتني من طوارق الجآن"، الأخطار غير المنظورة، التهديدات الخفية، التي تطرق الإنسان من دون مقدمات، قد تشمل حتى مثل الميكروبات والفيروسات والتهديدات الصحية غير المتوقعة، لا يعني ذلك هذا الجآن الذي هو في مقابل الإنس.
"كلأتني من طوارق الجآن، وسلمتني من الزيادة والنقصان، فتعاليت يا رحيم يا رحمن". اللهم إنا نحمدك ونشكرك على كل نعمة أنعمت بها علينا. اللهم لك الحمد، غاية الحمد، نهاية الحمد، كما تحب ربنا وترضى، اللهم وفقنا لشكرك وذكرك وحمدك وعبادتك على كل نعمة أنعمت بها علينا أو أنت منعم علينا بها، إلى آخر أيامنا، إنك الموفق لذلك والقادر عليه وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.