أول ذلك هذه المحبة التي ألقاها الله سبحانه وتعالى على هذا الطفل فيمن حوله من الناس، في والديه. نحن نرى أن الإنسان إذا صار كبيرا وخرجت منه رائحة خبيثة ينفر منه، ويطرد من المكان، وهذا الطفل الذي يخرج فضلاته ونجاسته وغير ذلك، في ضمن محيط والديه تستعذب الأم عندما تقوم بذلك، تلتذ وهي تقوم بذلك، ما الذي تغير؟ إنما هو (وألقيت عليك محبة مني) كما حصل من قبل الله عز وجل بالنسبة إلى موسى وفرعون، هو حاصل بالفطرة والغريزة من قبل الله بين كل أم ووليدها وطفلها وبين كل أب وطفله.
"ورزقتني من الغذاء لبنا مريا"، والعجيب أن هذا الرزق لكل البشر، ربما الرزق العادي، الأطعمة العادية لا تحصل لبعض الناس، بعض الفقراء، في سنواتهم المتأخرة، قد لا يحصلون على الفواكه. بعض الناس لأوضاعهم المادية قد لا يذوقون اللحم، إلا في فترات متباعدة، وأما الكماليات من الأغذية، فهناك قسم غير قليل من الناس لا يستطعمونها. لكن هذا الغذاء المريء، والمريء يعني الذي ينساب بسهولة ولا يعقبه مشاكل، الأغذية على أقسام، منها: ما هو غير لذيذ أصلا، ومنها ما هو لذيذ في أول أمره، ولكن بعد ذلك يسبب متاعب في المعدة ومشاكل للإنسان، ومنها ما هو لذيذ ومريء، لا يعقب أي مشكلة في داخل البدن، الدعاء يقول: أنت رزقتني من الغذاء، غذاء وليس شراب، كم يحتاج الإنسان في – عندما يكبر – أن ينوع في أطعمته حتى يحصل على البروتين والفيتامين والسكريات وما شابه ذلك، يحتاج إلى أصناف كثيرة، حتى يكون غذاء كاملا، ومع ذلك لا ينجو من مشاكل ما بعد الطعام. فقد يزيد السكر في جهة، وقد يزيد الدهن في جهة أخرى وقد تزيد الأملاح في جهة ثالثة، وعلى هذا المعدل.
بينما بالنسبة إلى لبن الأم، لبن في اللغة العربية، هو التعبير المتداول عن الحليب، لا يقال حليب الأم، وإنما يقال: لبن الأم. لا اللبن الذي نشربه من البقالات والذي له طعم خاص، وإنما هو معادل للحليب، فهذا الطفل: "فرزقتني من الغذاء"، وليس من الشراب، هذا غذاء كامل، كما يقول العلماء، فيه كل احتياجات الطفل، بحسب مراحله الزمنية، ما يحتاجه في الأيام الأولى، ليس بالضرورة هو الذي يحتاجه بتمامه بعد ستة الشهر، وإنما يتكيف هذا الغذاء الصادر من ثدي الأم، يتكيف بحسب حاجة ذلك الطفل، من تركيزه في هذا الجانب أو في ذلك الجانب. ومع ذلك لا يتغير في بطن هذا الطفل، يكون مريئا لا يعقبه مشاكل، لا يسبب له متاعب، لبنا مريا.
"وعطفت علي قلوب الحواضن وكفلتني الأمهات الرواحم"، المرأة الحاضنة هي نفس الأم، هذا من التعبير بلفظ آخر؛ لبيان جهة من الجهات، أن الأم ليست فقط مصدر غذاء، وإنما هي مصدر حضانة وتربية واهتمام ورعاية ورحمة أيضا. لولا أن الله سبحانه وتعالى عطف على هذا الإنسان بطبيعته قلوب الرواحم والحواضن من أمهاتنا – جزاهن الله خير الجزاء – لولا ذلك لكان الأمر على مستوى البشرية، كما رأينا في بعض الأخبار، عندما تنسلخ بعض الأمهات من فطرتهن، ومن حنانهن، نقلوا قبل مدة من الزمان، أن امرأة انزعجت من طفلتها، لأنها تريد أن تنام، والطفلة تصرخ، فقامت وخنقتها نعوذ بالله، هذه امرأة منكوسة الفطرة لا ريب. وإلا البشر السوي، المرأة السليمة، هي من تحنو على طفلها وطفلتها، وكما ورد في رسالة الحقوق، في حق الأم وأنها لم تبالي أن تجوع الأم، يعني، وتشبعك، أنت الطفل، وأن تعطش وتسقيك، وأن تعرى الأم، وتكسوك، هذه هي المرأة الطبيعية، ذات الفطرة السليمة، وهو ما رأيناه في أمهاتنا نسأل الله أن يبلغهن صلواته ورحماته ومغفرته ورضوانه وجنته. لقد أحسنت أمهاتنا جزاهن الله خير الجزاء، أحسنت العناية والرعاية والحضانة وبرزت منهن الرحمة في أحسن صورها.