أخرجتني إلى الدنيا تاما سويا ٦

أخرجتني إلى الدنيا تاما سويا ٦
00:00 --:--

أخرجتني إلى الدنيا تاما سويا  ٦

تحرير الفاضلة أمجاد عبد العال  

لا نزال في رحاب الحديث عن دعاء الإمام الحسين (ع) في يوم عرفة والذي نستجلي منه عبوديتنا بالنسبة إلى الله عز وجل ونعرف مقدارنا في جنبه وموقفنا من الحمد له. ووصل بنا الحديث إلى هذه الفقرة المباركة من ذلك الدعاء الشريف، في قوله: "ثم أخرجتني للذي سبق لي من الهدى إلى الدنيا تاما سويا، وحفظتني في المهد طفلا صبيا، ورزقتني من الغذاء لبنا مريا، وعطفت علي قلوب الحواضن، وكفلتني الأمهات الرواحم، وكلأتني من طوارق الجآن وسلمتني من الزيادة والنقصان، فتعاليت يا رحيم يا رحمن، حتى إذا استهللت ناطقا بالكلام أتممت علي سوابغ الإنعام وربيتني زائدا في كل عام. صدق سيدنا ومولانا أبو عبد الله الإمام الحسين بن علي صلوات الله وسلامه عليهما. 

هذه الفقرة في الدعاء تتناول أوائل النعم على الإنسان بعد وجوده في هذه الدنيا، بعد أن ذكر الدعاء في آخر الفقرة السابقة، أنك يا رب لم تشهدني خلقي ولم تجعل إلي شيئا من أمري، إذا لو فعل الله سبحانه وتعالى ذلك، لانتهى هذا الإنسان، هو الإنسان بعد بلوغه وبعد كبر سنه وبعد كمال عقله ينطبق عليه القول أنه: لو وكله الله إلى نفسه طرفة عين لهلك. فكيف إذا كان ذلك الأمر في أوائل خلقه وفي بداية وجوده. 

لطف الله سبحانه وتعالى ورحمته  بهذا الإنسان جعله يدبر أمره أمر هذا الإنسان، من دون أن يستشعر ذلك الإنسان تدبير الله عز وجل، فقدر له كل شيء، ورتب له كل أمر، وخلقه في أحسن تقويم، ولم يوكل إليه – إلى ذات الإنسان أي شيء من خلقه وتدبيره – حتى  إذا صار في بطن أمه، لم تنقطع الرحمة الإلهية به، بل رتب له ذلك المكان بأحسن ما يمكن الترتيب، جعله في وسط سائل، هذا السائل، الذي قد يعبر عنه: بالأمينوني، أو سائل السلا كما يقولون، في درجة حرارة متناسبة مع حاجة هذا الكائن الذي يتطور تدريجيا، بصورة يسبح فيها حتى يحمى من الصدمات، يحمى من الضربات، يحمى من الانضغاط، ولو لم يكن بهذه الصورة لالتصقت أحشاء أمه به ولانتهت حياته.

الغريب ما يذكره العلماء مما اكتشفوه، من أن نفس هذا السائل الذي يؤدي دور ووظيفة الحامي والحافظ من الصدمات ومن الانضغاط ومن غير ذلك، هو في فترات معينة يتحول إلى طعام وغذاء، يتغدى عليه هذا الطفل، ونفس هذا أيضا، عندما تقترب الولادة يتحول إلى معقم يعقم مجرى هذا الطفل عند خروجه، ولذلك ينفجر ما يسمونه بكيس الولادة، قبيل ولادة هذا الطفل فيكون علامة على أنه سيخرج بعد قليل، ويكون بعد ذلك. وقبل ذلك، كما يقول العلماء، يكون بمثابة التعقيم لهذا المجرى. تعلمون أن محل جريان الطفل حيث هو أيضا مجرى البول، نفس هذه المنطقة، فمن الطبيعي، أن يكون غير نظيف، غير نقي، وهذا الطفل في أوليات حياته، أي نوع من أنواع التلوث، يحصل في عينه، يحصل في أذنه، يحصل في داخل أحشائه، من الممكن أن يؤثر عليه، يقول العلماء هنا: أن هذا السائل الذي كان في وقت من الأوقات حافظا وحاميا له، وفي وقت من الأوقات غذاء وطعاما له، الآن يصبح تعقيما لهذا المجرى، ويساعد على الانزلاق الذي لولاه ربما انضغط رأس الجنين، عند خروجه وتشوه أو تحطم، على أثر قوة الطلق الذي يحصل عند النساء أثناء الولادة. 

هذه الرعاية – وهذا واحد من أوجهها – ولو راجع الإنسان ما هي أنحاء الرعاية والعناية التي يحصل عليها هذا الطفل في داخل بطن أمه، لعلم كم هي نعمة الله عز وجل عليه، وكم هي رعاية الله له، من ذلك اليوم. حتى إذا اكتمل ذلك، خرج إلى عالم الدنيا. 

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٧٦

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة