بالرغم من أن الإمام الهادي عليه السلام قد سجن وتعرض لمحاولة اغتيال في زمن المعتز العباسي الذي سممه عليه السلام، فلما قام الإمام العسكري عليه السلام بمقام الإمامة وأدرك والده امر المعتز العباسي معاونيه بأن يخرجوا الحسن العسكري إلى الكوفة وأن يغتالوه في الطريق، فبعض أعوان الإمام عليه السلام الذين كانوا داخل السلطة كانوا يرون بأنه من الازم إخبار الإمام بذلك فأخبره، فقال له الإمام عليه السلام: لا تقلق فإني نازلت هذا الرجل عند الله عز وجل وأن امره يأتيك بعد ثلاثة أيام بعد هوان يمر به واستخفاف، وهذا معنى من معاني العلم الإلهي الخاص الذي كان لدى أئمة الهدى عليه السلام، فذا العلم لا يمكن تحصيله ضمن الأطر الطبيعية، وبالفعل بعد ثلاثة أيام وقبل ان يقوم الخليفة بإخراج الإمام من سامراء إلى الكوفة شغب الأتراك عليه وجروه من مجلسه من رجله إلى خارج محل الخلافة وضربوه بالدبابيس وهي مقامع حديدية وجعلوا يضربوه إلى ان أدموه وتركوه في الشمس حتى يتنازل إلى من يأتي بعده، وقد عزل هذا الخليفة وبقي الإمام الحسن العسكري عليه السلام على قيد الحياة واستمر في ممارسة نشاطه وعمله حتى جاء المهتدي العباسي الذي سجن الإمام العسكري عليه السلام في سجن خاص لأنه يعلم أنه عندما يسجن الإمام في سجن عام ويرى الناس أخلاقه وعلمه سوف يزيدوا تمسكاً به ولهذا قام بسجنه في السجن الخاص، وقد قال المعتز: سجنته ووكلت به رجلين من أشد خلق الله قسوة وإيذاءً وقد صارا من الطاعة والعبادة لله إلى أمر عجيب، ثم قام المعتز وأخرج الإمام من ذلك السجن حتى لا يتأثروا به أصحابهم.
بعدها جاء المعتمد العباسي الذي أقدم على سم الإمام العسكري عليه السلام، وإن طالت مدة حكمه إلا أنه فعل به الاتراك ما فعلوه بأسلافه ومن سبقه وقد عُزل شر عزله بعد ان افتقر على يد هؤلاء الأتراك وأصبح كالذي يتسول المال، وينسب إليه الشعر المشهور: (أليس من العجائب ان مثلي يرى ما قل ممتنعاً عليه، وتجبى بإسمه الدنيا جميعاً وما من ذاك شيء في يديه)، وبعد ذلك قتلوه.
من هذا نستنتج ان من يعتمد على الله عز وجل في كل شيء ويجعله حسيباً وناصراً سيجد الله ناصراً له فلا تقوى قوة في الكون عليه ولن يصيبه مكروه، ولكن من يتدرع ويتحزم ويتقوى بعباد مخلوقين كما فعل هؤلاء العباسيون الذين جاؤوا بغلمان اتراك واشتروهم بأموالهم وأفاضوا عليهم وجعلوا ولاءاتهم لهم حتى أعدوا لهم حرساً خاص وقد خرجوا من بغداد إلى سامراء لكثرتهم وبنيت سامراء في أصلها على أساس أنها معسكر ولذلك سميت بالعسكر وينسب إليها من يسكن فيها، والإمام العسكري عليه السلام سمي بذلك نسبة إلى محلة العسكر في سامراء، ولكن هؤلاء العسكر قاموا بقتل الخلفاء العباسيون واغتيالهم وهذا جزاء من اعتصم بغير الله.
أئمتنا عليهم السلام تمسكوا بالله عز وجل حتى إذا سجنوا وأوذوا واضطهدوا فذلك من أجل الله ومن أجل تبليغ أحكامه ورسالته ولا يضيرهم ذلك شيء بل أقدموا على ذلك راضين طائعين قابلين ما دام في سبيل الله ولسان حالهم كلسان حال أسلافهم: ( إلهي إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى )، وينبغي للإنسان المؤمن أن تكون مسيرته في هذه الدنيا على أساس رضا الله عز وجل، فأي سعي في غير رضا الله هو سعي خاسر وإي إنفاق في غير رضاه فهو إنفاق غير رابح.
الإمام العسكري عليه السلام بالرغم من قصر مدة إمامته إلا أنه كان تحت المراقبة الجبرية وكان يؤذى ويضطهد وقد سجن عدة مرات إلى أن باء اللعين المعتمد العباسي بإثم تسميمه عندما دس إليه سماً نقيعاً وبقي الإمام عليه السلام يتألم من حرارة السم إسبوعاً كاملاً حتى استشهد صلوات الله عليه.