من المواصفات أيضاً أن يكون لديه علم إلهي خاص لا يتوفر لسائر الناس لأنه حجة على كل البشر في زمانه فلذلك لابد أن يكون علمه أكثر من علومهم جميعاً وحتى يفوق كل العلوم لابد ان يكون عمن عند الله عز وجل، فلو فرضنا ان الإنسان لديه علم طبيعي واعتيادي فإنه يحتاج إلى الكثير من السنوات وقراءة آلاف الكتب حتى يصل إلى درجة الدكتوراه لكن الإمام العسكري عليه السلام تول الإمامة في عمر ٢٢ عاماً، فالإنسان العادي مهما بلغ من الذكاء والجدية في الدراسة وأخذ العلم من مصادره الطبيعية إلا أنه لا يستطيع أن يحيط بكل العلوم.
لو أن شخصاً من عامة الناس سأل سؤالاً في الدين أو غيره فإن الإمام الذي يقول لا يعلم وليس عندي جواب لك فهذا ليس بإمام ولذلك لابد أن يكون عنده ما يحتاج إليه الخلق، كما يقول أحدهم بانه كان عند الإمام العسكري غلمان بعضهم أتراك وبعضهم صقالبة وبعضهم أحباش ففي ذلك الزمان كان العبيد يباعون في الأماكن وكان الإمام العسكري عليه السلام يكلم غلمانه كل واحد منهم بلغته حتى سأله أحدهم: يا مولاي أين تعلمت هذا؟ قال الإمام: إن الله أحكم من أن يجعل حجة على الخلق ثم لا يكون عنده ما لديهم وفوق ذلك، لذلك لم يؤثر حتى ولو بخبر كاذب أن الإمام سُئل عن مسألة معينة ولم يجب عليها وقد كان الخصوم يعترفون لهم بهذا أيضاً.
من هنا فإن قضية الإمامة في صغر السن وفي كبره لا تختلف عندها وكذلك لا تختلف في قصر المدة وفي طولها، فالإمام العسكري عليه السلام قد تولى الإمامة في عام ٢٢ عاماً والإمام الجواد تولاها في عمر ٩ سنوات ولم يوجد اختلاف بينهم لأن الله تعالى هو الذي انتخبهم ولأن الإمام في العمر الكبير أو العمر الصغير هو معصوم ولأن كلا العمرين كان لديه العلم الإلهي الخاص الذي يجيب به كل من سأل في كبر قضية من القضايا.
مدة إمامة الإمام العسكري عليه السلام كانت ست سنوات فقط وهي أقصر فترة من فترات أئمة الهدى عليهم السلام فبعضهم طالت مدة إمامتهم إلى ٣٠ عاماً كأمير المؤمنين عليه السلام كانت إمامته من بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أوائل سنة ١١ للهجرة إلى سنة ٤٠ للهجرة في شهر رمضان، فعندما نقول إمام هذا لا يرتبط بالحكم فليس بالضرورة أن يكون إماماً يعني أن يكون حاكماً، فقد يكون إماماً وهو جليس داره أو وهو سجين كالإمام الكاظم عليه السلام التي قاربت مدة إمامته إلى ٣٥ عاماً مع انه في السجن فهذا لا يضر بعصمته ولا بعلمه شيء ولا يضر بتوضيحه لأحكام الشريعة وتبليغه بأحكام الله عز وجل، لكن أقصر مدة هي فترة إمامة الحسن العسكري عليه السلام التي كانت ست سنوات من أن تولى الإمامة إلى أن استشهد ومجمل عمره كان ٢٨ عاماً.
في هذه الفترة القصيرة من الزمان مارس الإمام العسكري عليه السلام اموراً كثيرة ويتعجب فيها الإنسان، فيذكر الرجاليون عنه أنه كان لديه من الأصحاب والرواة وحملة الحديث ما يزيد على ٢٠٠ راو وحامل حديث عنه سلام الله عليه، نعلم أن الإمام العسكري عليه السلام قد ابتدأ بممارسة التعليم ونشر الأحكام في زمان والده الإمام الهادي عليه السلام ولكن فترة إمامته كانت كذلك وقد نسب إليه تفسير للقرآن ويوجد كتاب تفسير للإمام العسكري عليه السلام وهو على قولين: بعض علماءنا يقولون أنه ليس صحيحاً نسبة هذا الكتاب للإمام العسكري عليه السلام، والبعض الآخر لا يستبعده، ولكن في الجملة فإن هناك آيات كثيرة من القرآن الكريم قد فسرها الإمام العسكري عليه السلام تفسيراً قد لا يهتدي إليه الكثير لولا إشارات الإمام عليه السلام وكذلك في الاحكام عنده شيء كثير لا سيما فيما يرتبط بقضايا التمهيد لغيبة الإمام الحجة المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف.