وكذلك أبان بن تغلب الكوفي الذي قال فيه الإمام الصادق عليه السلام: لقد أوجع قلبي موت أبان، ولقد أخذ أبان بن تغلب ما يقارب ثلاثين ألف حديث عن الإمام الباقر عليه السلام، وغير هؤلاء من الذين تلقوا العلم من الإمام الصادق عليه السلام.
وهناك أيضاً من رواة الإمام الكاظم والإمام الرضا عليهما السلام وهو الحسن بن علي الوشاء، فقد جاء له شخص من بلاد الري يطلب منه حديثاً فقال له الحسن بأن يأتي في اليوم التالي ولكن هذا الرجل رفض ذلك لأنه لا يضمن عمره إلى يوم غد، فقال له الحسن: لو كنت أعلم أن في الناس من يطلب الحديث مثل طلبك لأكثرت منه فإني قد أدركت في مسجد الكوفة ٩٠٠ راو وكلهم يقول حدثني جعفر بن محمد عليه السلام.
فالأساتذة بين كلام ابن عقدة وعددهم ٤٠٠٠ وهم من كل النواحي ( المدينة، الكوفة، وغيرها من الاماكن )، وبين كلام الحسن بن علي الوشاء بأن عددهم ٩٠٠ في مسجد الكوفة فقط، مع العلم بأن الإمام عليه السلام قد مكث في الكوفة سنتين فقط وكان سبب ذهابه إليها لأن أبي العباس السفاح وهو أول خلفاء بني العباس قد استدعى الإمام إلى الكوفة وأبقاه هناك، وكان الناس يزدحمون عليه وهاتان السنتان أنتجتا ٩٠٠ راو في مسجد الكوفة.
هناك عدد ثالث وهو الأصول الأربع مئة وهو عبارة عن مصنفات وكتب وهو أرضية الموسوعات الحديثية لمعتمدة الآن عند الشيعة كالكافي والصدوق في كتابه ( من لا يحضره الفقيه )، فقد اعتمدوا على الأصول الأربع مئة وقد كان الرواة يسمعون من الإمام مباشرة ويدونون في هذا الكتاب مثل حريز ويونس بن عبد الرحمن فقد كانوا يسمعون من الأئمة مباشرة ويدونون، وأكثر هذه المصنفات في الأصول الأربع مئة هي لتلامذة الإمام الصادق عليه السلام أو لتلامذة تلامذته، وهذه أرقام فقط وإن أردنا تفاصيل لذلك فهناك كتب مفصلة ومنها كتاب للعلامة الشيخ أسد حيدر اسمه ( الإمام الصادق والمذاهب الأربعة )، وهو كتاب يحتوي على تأريخ الوضع العلمي للإمام الصادق عليه السلام وعلاقته مع سائر المذاهب وتأثيره في أربابها وفقهائها ورؤسائها وهذا جزء مما كان يقوم به الإمام عليه السلام، فالإمام الصادق عليه السلام بحر من المعارف والمعاني، فلا نجد قاعدة فقهية ولا قاعدة كلامية ولا استدلالات عقائدية إلا ويستند فيها للإمام الصادق عليه السلام، ولذلك لا غرابة في ان ينسب كل المذهب لجعفر بن محمد ويقال له المذهب الجعفري، فسلام الله على هذا الإمام العظيم الذي نشر شريعة جده وأظهر معالم الدين في أبهى صورها وأحسن تفاصيلها، والحمد لله بأن أكثر تراث الإمام وأحاديثه موجودة ومحفوظة ومدونة وعلى أساسها يستنبط العلماء احكامهم.
الإمام الصادق عليه السلام في الوقت الذي بث فيه العلم بهذا المقدار قد ركز على نقد بعض المناهج الخاطئة في التفكير والعلم، ومن ذلك ما كان قد نقد فيه منهج القياس البشري الذي كان يعتمد عليه الأحناف ( أبو حنيفة وتلامذته ).
لماذا كان الإمام أكثر تركيزه على هذا المنهج مع أن مواقف أبي حنيفة العامة أحسن بالقياس إلى مواقف غيره وخصوصاً من الناحية السياسية والعاطفية؟
السبب هو أن منهج القياس أقرب إلى البشر ومقبوليته وتفاعل الناس معه أكثر، لذلك قسم من الناس أصبح لا مانع لديه من أن يتجاوز آيات قطعية في صدورها وواضحة في دلالتها من أجل بعض القياسات الذهنية والإجتهادات الشخصية، ومن الامثلة على ذلك أنه عندما يقول القرآن: (( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ))وهي آية واضحة وصريحة ومع ذلك نجد قسم من الناس في هذه الأزمنة بناءً على القراءات الجديدة يقولون أن هذه الآية كانت لزمان معين وفترة محددة وأن الدين الجديد يقون أن الذكر يساوي الأنثى في الميراث.