النازلين ، حتى أولئك الشياطين مصفّدين إلا أنّ شيطان هذا الرجل غير مصفّد. العلماء يقولون إن اضطرّ الإنسان للإفطار من أجل سبب كالدورة الشهرية بالنسبة للمرأة أو بسبب المرض أو السفر ينبغي أن لا يتظاهر بالأكل حفاظًا على حرمة هذا الشهر وإن أكل فهو معذور ، أمّا أن يظهر متعمّدًا بدون سبب فذلك من القبح والدناءة ، ومبارزة واضحة للقرآن الكريم ولفريضة الصيام.٢/ من مظاهر هجر القرآن الكريم فيما يرتبط أيضا بواجباته الواضحة ، فعلى سبيل المثال في سورة الطلاق ورد في أول آياتها قوله تعالى ( لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ ولا يخرجن )٣ وهذه السورة من السور المدنية إذ أنّ آياتها طويلة وموضوعها في التشريع والأحكام ، ومعنى هذه الآية أنّه يحرّم على من يطلق زوجته طلاقًا رجعيًا أن
يخرجها من المنزل الذي كانت تعيش فيه معه وهي أيضًا يحرم عليها أن تخرج من تلقاء نفسها ، نجد في مجتمعنا كلا الأمرين وهما يخالفان الشرع إذ أنّ الزوج عندما يطلّق زوجته يخرجها من البيت ، وكذلك المرأة تخرج بنفسها ، وهذه مخالفة صريحة للقرآن الكريم.٣/ مظاهر هجر القرآن على مستوى الأمم ومستوى الدول ومستوى السياسات ومستوى الأنظمة والحكومات كثيرة إذ أنّه نادرًا ما نجد أنّ القرآن الكريم في بعض بلاد المسلمين يعتبر دستورًا أساسيًا للأحكام ، فكثيرٌ من القوانين هي مستوردة من القانون البلجيكي أو الفرنسي أو من سائر القوانين الأخرى ، بينما القرآن الكريم لا يلتفت إلى قوانينه بل يقنّن القانون على خلاف صريح القرآن.على سبيل المثال أرادوا أن يقرّوا قانونًا بعدم الاعتراض على من يفطر في نهار
شهر رمضان إذ أنّ الدولة علمانية ، وكان هذا خلاف صريح لقوله تعالى ( كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) ٤وكذلك في موضوع الأحوال الشخصية أرادوا أن يضعوا لها قوانين مستوردة من الخارج كما في قضية الميراث و قوله تعالى ( للذكر مثل حظّ الأنثيين ) ٥ حيث أصبحوا ينادون بالمساواة بين الذكر والأنثى خلافًا للآية الكريمة.وكذلك قوانين أخرى وضعية في مسألة الزواج والطلاق والحضانة ، وهذه كلها من مظاهر هجر القرآن الكريم في بلاد المسلمين على مستوى الأفراد وعلى مستوى السياسات والأنظمة.ومع ذلك نجد أنّ كثيرًا من المؤمنين مازالوا على الفطرة الحسنة من الإيمان الواضح ممّا يجعلهم يتوجّهون إلى القرآن الكريم ويأتمرون بأوامره قدر استطاعتهم ، ولا نريد أن نعمّم تلك الصورة السوداء عن
هجر القرآن ، بل هناك مظاهر حسنة تدلّ على الاهتمام بالقرآن كمجالس التلاوة والتدبر والاستماع كالأمسيات القرآنية التي تعقد في هذا الشهر المبارك.هذا القرآن الذي هو مصدر سعادة وحياة البشر كما يقول الله تعالى ( يا أيّها الّذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) ٦القرآن هو من يصنع للإنسان السعادة والأمان والحياة المستقرة فكيف نجعل من هذا القرآن مصدر سعادتنا حتى لا يكون مهجورًا في حياتنا؟؟
ماذا نصنع لكيلا يكون مهجورا
١/ على المستوى الشخصي ينبغي أن نديم فترة التوجّه للقرآن الكريم ، هذه الفترة التي اكتسبناها خلال هذا الشهر العظيم إلى ما بعد شهر رمضان ونجعلها مستديمة لا منقطعة ، لأنّ غالبية البعض يقبل على القرآن الكريم في شهر رمضان ويكون حريصًا على ختمه أكثر من مرة أو مرتين ، كذلك الإنسان الذي ختم القرآن خمس مرات في مدة قليلة ، فإنّ قراءة مقدارٍ من القرآن الكريم يكوّن علقةً وأنسًا بين الإنسان والقرآن الكريم ، ومن الجميل أن تستمرّ هذه العلقة وهذه الثمرة التي اكتسبها و أن تكون معه إلى ما بعد شهر رمضان ويجعلها عادة مستمرة ، فلا يتخلّى عن قراءة القرآن يوميًا ولو لصفحة واحدة وهو أضعف الإيمان ، يروى في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام ( القرآن عهد الله إلى خلقه فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده ، وأن يقرأه في كل يوم خمسين آية ) ٧
القرآن بمثابة المعاهدة بيننا وبين الله ومن الجميل أن تستمر هذه المعاهدة إلى ما بعد شهر رمضان وليس فقط في هذا الشهر ، حيث نجعلها عادة غير منقطعة فشهر رمضان ربيع القرآن لكنّ قراءة القرآن ليست حكرًا على شهر رمضان فقط.
وحتّى يكون الإنسان مصداقّا واضحًا على الإقبال على قراءة القرآن الكريم لا يترك قراءته وليجعلها عادة مستمرة كما هي أوقات الصلاة ، فإن تمكّن قرأ بعد صلاة الفجر وإن لم يتمكن بعد الظهرين ، وإن لم يتمكّن فبعد العشائين وبهذا لا يكون ممّن هجر القرآن الكريم.