رؤيةٌ في القَصَصِ القُرآنِي
كتابة الاخت الفاضلة فاطمة آل السيد
قال الله العظيم في كتابه الكريم: “نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ” صدق اللهُ العليُّ العظيم.
حديثُنا بإذن الله تعالي يُقدِمُ رؤيةً موجزةً عن موضوع القصَصِ القرآني أو قصص القرآن.
القصَص في القرآن الكريم تحتلُ مساحةً واسعةً من آياته المباركة، فلو نظر الإنسان إلى عناوينِ السور كمثال، سيجدُ عددًا كبيرًا من هذه العناوين هي عبارة عن إشارة إلى القصص فيها. كسورةِ البقرة، وهي أطولُ سور القرآن، عنوانُها يُشير إلى قصة من القصص التي حدثت في زمان بني إسرائيل وتحدث عنها القرآن الكريم في هذه السورة. أيضاً سورة آل عمران هي عنوانُ هذه الأسرة الذين اصطفاهم الله سبحانه، وفي هذه السورة شيء من الحديث عن تاريخ المصطفين منها.
وهكذا بالنسبةِ إلى سائِر السور كيُونس وهُود، التي تجدُ في استعراض سريعٍ لعناوينها أن هذه العناوين ترتبطُ بقصصٍ وقضايا إما تحتلُ كامل السورة كما هو الحال في سورة يوسف، التي ذكرت مرة واحدة في القرآن لكنها أخذت مساحةَ سورةٍ كاملة من بدايتها لنهايتها. وأحيانا قد تكون قصة متكررة في سور متعددة ومن زوايا مختلفة، كما هو الحال في قصة نبي الله أدم وخلق البشرية وموضوع إباء ابليس السجود لآدم، نجد أن هذه الأحداث تكررت في سور متعددة.
وكذلك قصص بني إسرائيل، وقصص نبي الله موسى وما جرى من المواجهة بينه وبين فرعون فإنها تكررت في سور متعددة، تارةً بشكلٍ مختصر وتارةً بشيءٍ من التفصيل. المهم هنا هو أنّ قصص القرآن تحتلُ قسمًا كبيرًا وواسعًا من مساحة القرآن الكريم حتى وردَ في بعضِ أخبار المعصومين في تفسير أن القرآن على سبعة أحرف أو سبعة بطون وما شابه ذلك، القصص القرآني عُد واحدًا من هذه الأحرف.
هذا يدعو الإنسان إلى أن يُلقِي بنظرةٍ على هذه القصص باعتبار أنها تشكلُ قسمًا كبيرًا من آيات القرآن الكريم.
نجدُ أيضًا أن قضية القصة في القرآن الكريم أصبحت مدخلا لبعض المستشرقين المُعادين للقرآن والإسلام لكي يزعموا بأن هذه القصص فيها علاماتٌ تدلُ على أن القرآن ليس من الله وإنما عبارة عن استعارة من الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل ثم نُقلت إلى القرآن، وبالتالي - بحسب زعمهم- يدلُ هذا على أن هذه الآيات لم تنزل من السماء. هذا أيضا يدعو الإنسان لأن يُلاحظ ويُراقب هذا الموضوع.
بشكلٍ عام يُمكن القول أن قصص القرآن تختلفُ عن سائر القصص بمُميزاتٍ تُميزُها عن غيرها من الحكايا، وهذا ما لم ينتبه لهُ الغربيون، وحتى لو التفتوا إليه فإنهم لم يُركزوا عليه.
القصة في القرآن لها ميزات لا توجد في القصص البشرية، ولها أهداف لا توجد بالضرورة في القصص الأخرى، ولها نمط خاصٌ بها أيضًا.
مُميزات قصص القرآن الكريم:
الميزة الأولى من هذه الميزات هو كونها حقا وصدقًا، لا يتطرق إليها الكذب أو المبالغة أو حتى ما يُسمى بلسان الحال. ما يقُصُه القرآن هو ما حصل فعلا، ونحن نعتقد بهذا الأمر لأن الذي تكلم عن هذه القصص هو خالقُ شخصياتها.
الله سبحانه حين خلق آدم (ع) كان أقرب إليه من حبل الوريد، وكان أخبرَ بهِ من نفسه، فلا بد أنه لو تكلم عنه فسيقولُ الحق، ولذلك وصف الله القصص في القرآن بالقول “إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ” . إذا كان عند الغير باطلٌ ومبالغاتٌ وإغفالٌ أو خطأ في بعض الأمور فإن هذه القصص في القرآن هي القول الحق “وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا” وفي آيةٍٍ أخرى “وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا” فهل يمكن أن يكون هناك أحدٌ من غير الله أصدقُ من الله عز وجل؟ هذا لا يمكن. لأنه عندما كان آدم طينا وترابا فإنه لم يكن هناك خلق أصلا حتى يأتي ويقص.