٢٥ رؤية في القصص القرآني

٢٥ رؤية في القصص القرآني
00:00 --:--

 فإذا كان هناك طرفٌ سوف يتحدث عن تلك المرحلة فهو الخالق، لا آدم ولا غيره يستطيع أن يقول بأنهُ خُلق بهذه الطريقة، الوحيد الذي يستطيع أن يقص الحق هو الله سبحانه وقد فعل ذلك وقدمهُ للإنسان “إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ”.

 لماذا نؤكد على هذا الكلام؟

 السبب الأول أن القصة كلما اقتربت من الحقيقة والدقة فإن مُتعتها وجاذبيتها تذهب، لو أراد أحد أن يقص قصة ويلتزم تمامًا بما حصل بدون تفخيمٍ أو مبالغةٍ أو صناعةِ سيناريو فإن القصة تصبح مملة. متى يكون في القصة جاذبية ؟ حين يكونُ فيها سيناريو بديع وتفاصيل ليست موجودة بالضرورة، وكلما كانت القصة فيها إبهار وجاذبية ومتعة فإن القاص يبتعد فيها عن الدقة والمصداقية.

مثالٌ على ذلك نراه الآن، لو أحدهم أراد أن يعرف بدقةٍ ما حصل لنبي الله يوسف، قد يُجاب بمثل ما قالهُ البعض “يوسف فد ولد ضاع ولقوه” هذا إذا تقيدت بالضبط بما جرى وحصل، ولكن إذا لم تتقيد بما حدث بدقة، وأعطيت بعض التفاصيل للقصة، سيتكونُ لديك فيلمٌ من ثلاثين أو ستين حلقة. مثلما رأيناه في مسلسل النبي يوسف، قسمٌ من الناس يسأل هل ما جرى في المسلسل من حوارٍ وحديثٍ بين الأطراف كلُهُ صحيح؟ فنقول لا، ليس كلُ هذا حدث وإنما هذا ما كتبهُ كاتب السيناريو حتى يُعطي القصة بعض التفاصيل والتشويق. وهذا ما يُميز هؤلاء الكتاب ويجعلهم يبرعون أكثر من غيرهم، ولكن كل ما أعطى الكاتب القصة إبهار وتشويق وإثارة وحبكة، كلما كانت القصة ذات جاذبية أكبر. ولهذا نرى في مسابقات الأفلام أن الأفلام الفائِزة يرجع فوزها أولًا إلى الحبكة وكتابة السيناريو، بعدا يأتي التمثيل والإتقان والأمور الفنية.

 إذن كُلما اقتربت القصة إلى الواقعية والدقة والصدق فإنها تكون أقل إثارة ومتعة وإعجاب وإبهار، لكننا لا نجد هذا في القرآن الكريم. فنحن نقرأ سورة يوسف ونُعجب بها، نقرأها مرة أخرى ونزدادُ إعجابًا وهكذا، جاذبيتها لا تَقِل لدينا، أيضًا قصة آدم وقصة بني إسرائِيل، مع أنها هذه القصص ملتزمة بالدقة والصدق.

نحنُ عندما نقرأُ القرآن لا نستشعر الملل أو السأم، مع أننا نقرأه عدةَ مرات، أو مئات المرات في حياتنا، إلا أن جاذبيتَهُ لا تقِل، ولا تزال هذه القصص فيها مقدار من التشويق والإعجاب.

 الميزة الثانية التي يُمكن أن يلاحظها الإنسان في قصص القرآن هي هدفيةُ هذه القصص، لو أرادَ الله عز وجل أن يأتي بقصص التاريخ، وهو الُمهيمن على هذا التاريخ والقادر على سردِ هذه القصص بتفاصيلها، فكم سيكون حجم القرآن؟ مئة مجلد؟ مئتان؟ نحن نرى المؤرخين الذين لم يكونوا موجودين ونقلوا بعض ما عرفوا من الأحداث لبعضِ القضايا التاريخية، ومع ذلك نراهم كتبوا مجلداتٍ إلى ما شاء الله بحسب زعمهم من بدء الخليقة إلى زمان نبينا محمد (ص).

فكيف لو أن الله سبحانه أراد أن يتكلم عن القصص التي حدثت منذ آدم إلى زمان رسول الله. سيكونُ حجم القرآن شيءٌ هائل، وسيكون هذا بلا غايةٍ أيضا. فما هي الغاية من أن يعرف الإنسان قصص أقوامٍ سبقوه وهي ليس فيها تأثيرٌ في حاضره، ولا تُضيف علمًا حقيقيا يستفيدُ به، ولا تضيفُ موعظةً في نفسه؟ ما الداعي لأن يعرف الإنسان مثلا أوصاف قصور السلاطين الماضيين؟ مالذي يصنع هذا فينا؟ ربما الشيء الوحيد سيكون الإعجاب بالدنيا وهذا يُخالف ما جاء به القرآن الكريم.

 القرآنُ الكريم ينتقِي القصص، مثلًا في قصة أدم (ع) ينتقي بعض التفاصيل المفيدة مثل الصراع بينه وبين الشيطان حتى يقول لنا لا يخرجنكم الشيطان من حظيرة الإيمان والجنة التي أنت تسكنها في هذه الدنيا بإيمانك، لا يغرنكم الشيطان لأنه هو الغَرور، غَرور على وزن فَعول تعني كثير الخداع، أي لا يخدعنكم الشيطان كما خدع أباكم، يأتيك من طريقٍ لا تتوقعه، الشيطان لا يقول للإنسان اترك الإيمان بشكل مباشر، فإنه لا يأتي الإنسان من الطريق الذي يحذرُ منه، وإنما يأتي بخدعٍ من حيث لا تحذر “يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ” الشيطان يُخطط بالشيء الذي يستطيع أن يصطادَ الإنسان به.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة