٢٥ رؤية في القصص القرآني

٢٥ رؤية في القصص القرآني
00:00 --:--

نرى الآن الطيور، بعضُها يأكل التمور والبعض يأكل الحشرات، وبعضها الآخر يأكل اللحوم. لو وضعنا حشراتٍ للطيور آكلة التمور فإنها لا تأكل هذه الحشرات ولا تقترب منها، فكل طير له مصيدة خاصّة. وهكذا الشيطان يصنع للإنسان، ويرى من أين يأتي ويغر هذا الشخص بطريقةٍ مختلفةٍ عن غيره. بعض الناس يأتيهم من باب شهوة المال، غيرهم يأتيهم من باب شهوة الجنس، وهكذا. فالشاهد هنا أن القرآن الكريم انتخب هذه القصة لآدم وركزّ عليها من بين عدة قصص لأهداف معينة.

 بعض المخالفين للقرآن قالوا بأن القرآن فيه تكرار، مثلُ قصةِ موسى نراها مذكورةٌ ٨٠ مرة، وقصة نوح ٢٥ مرة، وغيرها. وقالوا بأن هذا مُمِل ويدلُ على أن القرآن من صُنعِ الإنسان وليس من الله سبحانه. فنقول أولا أن التكرار بالمعنى الحقيقي غيرُ موجودٍ في القرآن الكريم. التكرار يعني أن تأتي بكلمةٍ أو عدةِ كلمات، ثم تأتي بنفسِ الكلمة أو الكلمات مرةً أخرى من دون زيادةٍ أو نُقصان. أما أن تأتي بقصة واحدة مرةً من الجانب الأيمن والثانية من الجانب الأيسر، مرةً من جانبٍ عاطفي، ومرة من جانبٍ وجداني، فهذا لا يُعد تكرارًا، التكرار أن تأتي بنفس الشيء مرةً ثانية من دون معنى أو هدف، وهذا لا نجدهُ أبدًا في القرآن الكريم.

 مثلا في قصة موسى (ع)، نرى أن القرآن يأتي بالقصة مرةً في مواجهة بنو إسرائيل لفرعون، ومرةً بنو إسرائيل في مواجهة خط الانحراف الذي شكله السامري، هنا عنوان القصتين هو بنو إسرائيل ولكن كل قصةٍ تختلف عن الأخرى في تفاصيلها، ومحتواها.

 أحيانا يأتي القرآن بمشهدٍ معين في موضع، ثم يأتي بنفس المشهد في موضعٍ آخر كرفضِ إبليس السجود لآدم، ولكن تارةً يقول “خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ” هنا يُناقش القرآن البواعث الداخلية، وتارةً يقولُ أن الشيطان أبى واستكبر فيقول “قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ” الحدث هو نفسه ولكن زاوية النظر تختلف.

 ولذلك القرآن هو مُنتقى، ينتقيه الله سبحانه ليعظَ الناس بواسطته، ولذلك في بعض المواضع يكتفي بذكر القصة مرةً واحدة ولا يأتي بها مرةً أخرى. مثل قصة الخضر مع نبي الله موسى (ع) يُرادُ بها أن لا ينظر الإنسان للأشياء بحسب ظواهرها وإنما عليهِ النظر إلى أبعادها وفلسفتها وما وراءها، وصل الدرسً هنا من خلال هذه الآيات، ولذلك لم تُذكر القصة مرةً أخرى.

 أيضا قصةَ قابيل وهابيل حين قدم أحدهما قُربانًا فتُقُبِل منه ولم يُتقبل من الآخر، الدرس فيها وصل مباشرة من الآيات، ولكن بعض قضايا الأمة ككُل نحتاجُ لها باستمرار، وتخوضُ الأمم فيها نفس الخوض كما ورد عن النبي (ص) “لتِسلُكُنّ سننَ من قَبلِكُم حَذوَ القِذَةِ بالقِذَة حتى لو دخلوا جُحرَ ضب لدخلتموه”.

هنا ما دام الأمة كُلها ستسلك هذا الطريق فإنها تحتاجُ إلى تذكيرٍ دائم وتحتاج إلى إشارات، وهذا نراهُ في قصص بنو إسرائيل وما حصل معهم حتى انحرفوا هذا الإنحراف. فبعدما كانوا موحدين عبدوا العجل، وبعد ماكانوا مطيعين للنبي صاروا متآمرين على هارون، وبعدما كانوا مهتدين صاروا ضالين في صحراء سيناء.

 ولأن هذا سيحصل لهذه الأمة احتاج القرآن الكريم أن يُفصّل هذه الأحداث في أكثر من موضع بأكثر من صورة في أكثر من سورة. فالإنسان هنا يحتاج للتذكير المستمر. وهذه من مميزات القصص القرآني أنهُ قصصٌ هادف.

 الميزة الثالثة هي تعدُد أساليب التأثير في القصة القرآنية. القصص البشرية من الغالب أن ينتهج القاص والروائي فيها منهجًا معينًا من أولها لآخرها. ونرى أن القصص نادرًا ما تكونُ مُحايدة، وإنما القصة هي تعبير عن أفكار وآراء، غاية الأمر أن كاتب لقصة يُجري هذه الأفكار على لسان أبطالها، فالكثير من القصص والروايات لا واقعية لها في الخارج، الروايات العالمية المشهورة ليس لها حقائق خارجية وإنما هي في الغالب نحتٌ وتكوينٌ وتأليفٌ من قبل نفس القاص فيُشكل له مجموعة من الأبطال، ويُشكل له بيئة يتحركون فيها وأحداث، ثم يُجري على ألسنتهم أفكاره أو جزءًا من أفكاره. ولذلك نستطيع أن نعرف أفكار زيدٍ من الناس من خلال روايته.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة