١٧ ما يحتاجه المفسرون من علوم

١٧ ما يحتاجه المفسرون من علوم
00:00 --:--

في الكتاب الأول حول القرآن الكريم عندما حاول أن يفسّره نقل بعض الكلمات فلم يعرف اشتقاقها الصحيح الأصلي فإذا لم يعرف اشتقاقها الأصلي سيشتبه عليه المعنى ، مثلا عندما يأتي إلى كلمة (إِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ )٢ قال : ( مرضى ) اشتقاقها من الرضا رضي يرضى مرضيًا ، بينما من الواضح أنّ اشتقاق (مرضى ) من كلمة ( مرض يمرض فهو مريض وهم مرضى ) أمّا تلك فهي رضي يرضى فهو مرضي وهو راضي فإن اختلط علي أحدهم الأمر ربما يقول وإن كنتم مرضى يعني إن كنتم مرضي عنكم أي محل رضا من الآخرين ، لا إِن كُنتُم مَّرْضَىٰ يعني كنتم تعانون من مرض ، وهكذا ...وكذلك في مثل قوله تعالى فيما يرتبط بنساء النبي ( وقرن

في بيوتكن )٣ ( قرْن ) الصحيح أنّها مشتقة من ( قرّ يقرّ مستقرٌ وقار ) يعني ( أقرْرن ) ابقوا في بيوتكم وليكن لديكم استقرار في البيوت ، لكنّه لم يفهم الاشتقاق الصحيح منها وقال (قرْن ) من ( الاقتران قرن يقرن فهو مقترن ) وهذا المعنى يختلف عن ذلك المعنى، وهذا الاختلاف في تفسير الكلمة ناشىء من عدم معرفته بتصريف الفعل ، إذ أنّ كثيرًا من المستشرقين لغتهم العربية ليست أصيلة ولم يستطيعوا معرفة جهات البلاغة والاشتقاق فلجأوا للتفسير الغير صحيح ، لذا يجب أن يكون المفسّر على دراية بعلوم اللغة العربية من نحو وصرف وبلاغة ، لأنه بعدم معرفته سيخرج بنتائج غير صحيحة وقد يظلّل الآخرين بهذه النتائج. ٢.لا بدّ أن يتعرّف على معاني هذه الألفاظ وذلك

بالرجوع للمعاجم اللغوية ، ولا بدّ أن تكون لديه القدرة على اكتشاف المعاني الأصوب والأصلح ، فإن لم يكن لديه القدرة على فهم هذه الألفاظ ومعانيها ولم يكن لديه القدرة على ترجيح المعاني الموجودة في كتب اللغة عندئذ لا يستطيع في هذه الحالة أن يصبح مفسرًا مثلاً في قول الله عز وجل (وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ )٤ (الكثير يسأل عن هذه الآية ويقول بأنكم تقولون بعصمة الأنبياء فكيف عصى آدم ربه وغوى؟ فكيف يكون معصومًا ؟ ، الآية واضحة كلمة ( عصى )في اللغة العربية في أصلها بمعنى مطلق المخالفة والمخالفة قد تكون في أمر واجب وجوبًا تكليفيًا ، وقد تكون لأمر إرشادي ، وقد تكون لشيء مستحب ، وقد تكون نصيحة ، هنا لا تؤخذ كلمة بالمعنى الظاهري عصى

من العصيان ، بل بمعنى المخالفة وهنا خالف النصيحة ، ومخالفة النصيحة لا تؤدي إلى نار جهنم ، فلو خالفنا نصيحة الطبيب مثلاً عندما نصحنا بترك السكريات لاحتمال الإصابة بالسكر فهل مخالفة هذه النصيحة تعتبر عصيانًا تستحق عليه دخول نار جهنم ؟ بالطبع كلا ، إذًا معنى (عصى ) في الآية بمعنى خالف النصيحة ، ويسمى عصيان في اللغة العربية لكنه مخالفة لأمر ارشادي ، وكذلك ( غوى ) هي بمعنى الغواية أي الضلال الموجب للعذاب ، لكنّ لها معنى الخيبة والخسران والفساد والجهل ، لكن بأي معنى استخدمها القرآن الكريم هل بمعنى الخيبة وفساد الأمر وعدم استمرار آدم في الجنة والبقاء فيها ( وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ) ٥إذن لا بدّ من الرجوع إلى اللغة العربية ومعرفة

معاني الكلمات ودلالاتها التي قد تجعل المعنى يختلف ، وبالتالي سيكون قادرًا على اختيار المعنى الأصوب والأصلح والأنسب للآية الكريمة .

٣. ما يرتبط بسنة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين عليهم السلام كما يذهب إليه الإمامية ، حيث أنّ هناك قسم ممّن يمارس التفسير ليس لديه فكر في سنة النبي صلى الله عليه وآله فيقول أنّ الصوم يختلف عن الصيام وكلاهما بمعنى مختلف ، ولكنّ رسول الله استخدمهما بنفس المعنى فهل أنّ النبي في اصطلاحه يختلف عن اصطلاح القران الكريم أو أنّه صلى الله عليه وآله  ما كان  يعرف أنّ الصوم يختلف عن الصيام وأنتم أتيتم واكتشفتم هذا مثلًا  ، هذا كلّه ناتج من عدم الاطلاع أحيانًا وعدم القدرة على تحقيق سيرة وسنة النبي صلى الله عليه وآله  وهو الأكثر.
 إنّ الإنسان لكي يستفيد من السنة بمعنى الحديث أو فعل النبي  أي سيرته صلى الله عليه وآله  فهذا يحتاج إلى طي مقدمات رجالية و إلى معرفة بعلم الرجال و معرفة علم الدراية ، ومعرفة كيفية الجمع بين الأخبار والروايات المتعارضة وهذا يرتبط بالأصول فإذا  كان أحدهم على جهل بهذه الأمور فكيف يضع نفسه موضع المفسّر لابدّ من وجود الخلل واحتمال انتقاد الآخرين  ، فمن الأفضل الابتعاد عن الخوض في هذا المجال لعدم الدراية به ، ولكنّ البعض لا يعتني بالسنة ويقول بعدم الحاجة إليها فتجده لا يعتني بالروايات ، وقد ذكرنا في محاضرة سابقة أنّنا لا ننصح عامة الناس بالرجوع  إلى التفاسير الروائية لوجود الاختلاف فيها ، ولوجود روايات غير تامة السند فيها  فهناك قسم منها غير منقّح ، ولكن بالنسبة للإنسان المتخصص  والإنسان الذي جاء من أجل كتابة التفسير وإلقاء التفسير لا يفترض أن يكون مستواه المستوى العام للمثقفين والقرّاء وإنما يفترض أنّه من مستوى المتخصصين والعلماء فيجب أن يكون لديه القدرة على فهم الروايات ، وعلى تحقيق الصحيح منها وغير الصحيح ، ولديه القدرة على الجمع بين هذه الروايات لو حصل فيها تخالف ، بل والأكثر من هذا يحتاج بعضهم إلى رأي أصولي في أنّه هل أنّ الرواية يعمل بها في التفسير أو لا؟ هذا لو كان بحثًا تخصصيًا.
 ولكن بمقدار ما يرتبط بالحديث نشير إليه هل نستطيع أن نستدلّ بالروايات الصحيحة عن النبي والمعصومين في قضايا التفسير أو لا نستطيع؟

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٢

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة