١٤ التدبر في القرآن

١٤ التدبر في القرآن
00:00 --:--

أيضًا “وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا” لم يَقُل الله سبحانه “وارزُقوهم منها” لأن “منها” تعني أن تقتطِعَ من هذه الأموال فتنقُص أو أن تستهلك من رأس المال لهذا اليتيم، بينما المطلوب هو أن تُنَمِيه اقتصاديا، والربحُ من هذه التنمية تُعطيه لهذا اليتيم، “ارزقه فيه” معنى ذلك أنك تتوسعُ في استثمار مالِ هذا اليتيم، وهذا أيضًا استفدناهُ من ضميرٍ في الآية.

 خامسًا ذكرُوا أيضًا أن التدبُر قد يكونُ تدبُرًا موضعيا أو تدبُرًا في الموضوع بشكلٍ عام. هذا يعني أن تجمع كُل آياتِ التوحيد مثلا أو آيات النبوة ثم تتدبّر فيها كُلها.

 

سادسًا وهذا الأهم في كُلِ ذلك وهو أن يتواضع الإنسان في أنه لو أمرهُ القرآن بشيء أن يلتزم به، لو خطَّأَهُ القرآن في بعض أفكاره فإنهُ يأخُذُ به ولا يُصِرُ على أفكاره.

وأن يتواضع ولا يعلُو برأسِه “وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ” فالتكبُر ليس فقط تكبُرًا أخلاقِيًّا بل أيضا هناك تكبُرٌ في العلم. هذا الكِبر العلمي منبوذ.

يُنقل أنهُ في زمان الشيخ مرتضى الأنصاري، وهو أستاذُ أستاذ أستاذ مراجعنا المعاصرين، ولديه الكثير من الكتابات والمؤلفات أشهرُها كتابان الرسائِل والمكاسِب، وكان من الزُهدِ والتواضُعِ والقداسةِ ماهو فوقَ العبارة، وكان يُدّرِسُ في النجف الأشرف، وكان لديه طالبٌ فهمُه ضعيف ولكنه كان دؤوبًا على الحضور للدرس، كان هذا الطالب كُلُ يومٍ يأتي للدرس ويخرجُ كما دخل، لا يستطيع حفظ أو فهم شيء، فقدرات الناس الذهنية تختلف، استمر الحال بهذا الطالب لعدة سنوات، لربما أربع أو خمس سنوات، فاشتد به الأمر وذهب لأمير المؤمنين (ع) وشكى لهُ الحال، وطلب منهُ أن يشفعَ لهُ عند الله ليفتحَ عليهِ أبواب الفهم، فلما خرج وذهب إلى بيته رأى في الليل في عالم الرؤيا، كما ينقُل، أن الإمام علي (ع) قد أتاه وقال له “أدنِ أُذُنك” وقال في أُذُنِه “بسم الله الرحمن الرحيم”، وهذا ليس بقليل “إن بسم الله الرحمن الرحيم أقربُ للإسمِ الأعظمِ من سوادِ العين إلى بياضِها”، فقام الطالبُ من المنامِ مُستبشِرًا وذهب للدرس، فرأى أنه يستوعبُ مطالبَ الشيخ الأنصاري بالكامل، وفوق هذا لديه أسئلة وإشكالات عليه، فبدأ مناقشةَ الشيخ، وكثُرَت الأسئلة فاستغرب الحاضرون، اليوم الثاني والثالث نفسُ الشيء، فأصبح يأخذُ فترةً طويلةً من الدرس في المناقشات والمناظرات، وأصبح لا يقبلُ بكلامِ الشيخ إلى أن قال طَالَبَ بعضُ الطلبة بإنهاءِ هذا الوضع لأن وقت الدرس يضيع، فالشيخ الأنصاري حفاظًا على الدرس طلب من الطالب الحضور إليه، فدنى الشيخ من أُذُنِه وقال له “من قرأ لك بسم الله الرحمن الرحيم في أذنك كان قد قرأ لنا - ولا الضالِّين -” أي لا ينبغي للإنسان أن يكون هكذا، فهو بحاجةٍ إلى أن يتواضع سواء كان عالم دينٍ أو مُثقف، وهذي نصيحة إلى الُمثقفين وإلى أمثالي من صغار الطلبة، فلا تتصور أن ما لديك هو علمُ الأول والآخر، وأن غيركَ لا يفقهُ شيئًا.

     

 

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة