١٤ التدبر في القرآن

١٤ التدبر في القرآن
00:00 --:--

 وهكذا بالنسبةِ إلى غيرها من الآيات. قِيل أن أَحَدَ أصحابِ رسول الله (ص) قرأ الآية المباركة “وَفَاكِهَةً وَأَبًّا” فَقال “أما الفاكهةُ فعرفناها، وأما الأبُ فلا نعرِفُه، ثمّ لماذا هذا التكلف؟” أي ماذا يضُرُنا لو لم نفهم ماهو الأب؟ فسُئِلَ أمير المؤمنين (ع) عن ذلك فقال “في الآيةِ التي تليها - مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ -” متاعًا لكُم المقصود بها الفاكهة، وأنعامُكُم تحتاجُ الحشيش والتبن وهكذا فهذا هو الأب.

فسياقُ القرآن الكريم يُوضح لكَ المعنى فما كان هذا الرجل بحاجةٍ لأن يقُولَ بأن هذا تكلف، هُو ليسَ تكلُفًا وإنما أمرٌ مطلوب، لا سيما إذا كانت إمامةُ النَاسِ عندك، ولكن هذا عليُ ابن أبي طالب وصيُ نبينا محمد (ص).

 أضِف إلى ذلك أن الكلمات التي جاءت في آيات القرآن البعضُ منها لهُ استخداماتٌ أخرى في آيات أخرى، فيتوجب علينا أن نتبين إن كانت تُفَسِرُها، تُعارِضُها أو تُقيدُها أم لا؟

مثلا يأتي في القرآن الآية المباركة “إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ” ظاهِرُ الآية أن الناسَ سينظرُونَ إلى الله عز وجل يوم القيامة، وهذا ما استند عليه بعضُ أتباعِ المدارس الإسلامية الأخرى. أحدُ دُعاةِ هذه المدرسة - وله تسجيلٌ على اليويتوب بهذا الكلام - يقولُ أكثر من هذا، فيقول حتى في الدنيا يستطيع الإنسان أن يرى الله عز وجل في منامِه، ويقول أنا كُنتُ أشُكُ في ذلك في السابق ولكن أنا الآن عندي يقينٌ بذلك لأنني أنا رأيتُه سبحانه ١٠ مرات في المنام.

نعودُ للآيةِ المباركة، ظاهِرُها أن العيونَ تنظُرُ إلى ربِها، ولكن لو بحثنا في القرآن لرأينا الآية “لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ” ونحن نقول أن القرآن الكريم قطعًا غيرُ مُتناقِض فلا يُوجدُ فيه اختلاف، فمن غير الممكن أن يقول تارةً “لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ” وتارةً يقول “إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ”. لذلك نَحمِلُ “نَاظِرَةٌ”على معنى آخر وهو بمعنى التقدير وإلا سيتناقضُ القرآن الكريم.

وعلى هذا السياق ننظر هل يُمكنُ تفسير الآيات بآياتٍ وكلماتٍ أخرى في القرآن الكريم أم لا، إذا كانت تُفسِرُها فنرجِعُ إلى ذلك التفسير القرآني، وأمثالُ هذا كثير.

 رابعًا التَفَكُر في بعض الضمائر والروابط في الآيات. كما في قوله تعالى “وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا” سُفَهَاء هنا تعني من ليس لهُ تدبيرٌ في مالِه كاليتامى الصغار مثلًا إذا ورثوا مالا فالحكم الشرعي ألا نُعطيهم أموالهم حتى البلوغ “وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ“ أي لا بد من البُلُوغِ والرُشد، أو يكون إنسان غير رشيد حتى وإن كان بالغًا، فالحكم الفقهي هنا ألا نضع المال في يده.

السؤال هنا هو لماذا قال الله سبحانه “أَمْوَالَكُمُ” مع أنها واقعًا “أموالهم” أي أموال اليتامى؟، هنا نستفيدُ من التدبُر، فالمال لهُ جهتان، جهةٌ شخصية وجهةٌ اجتماعية فهو جزءٌ من الدورةِ الاقتصادية في البلد، وبالتالي فهو جزء من اقتصاد المجتمع، والشاهدُ على ذلك قول الله عز وجل بعدها مباشرةً “الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا” فبهذه الأموال يقُومُ بِناءُ المجتمع. ومن هذا نستنتج أن هذا المال، الذي وإن كان لهُ جهةٌ شخصية، إلا أنهُ لهُ جِهةٌ اجتماعيةٌ عامّة. والدول الآن تتعامل بنفس هذا النظام، لو أراد مواطنٌ أن ينقُل ثروتهُ كاملةً للخارج فإن الدولة تحجُرُ على أمواله حتى وإن كانت مُلكُهُ الشخصي، لأن ذلك يُسبِبُ انهيارًا اقتصاديا.

أيضا غسيلُ الأموال ممنوع،حتى وإن كان الطرف الآخر قابِلٌ بذلك، لأنه يُفسِدُ الاقتصادَ الحقيقي لصالح اقتصادٍ مُزيف. فإذن “أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا” لها صِبغَةٌ اجتماعية، وكُل هذا استفدناه من إضافة ضميرٍ فقط للكلمة.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٢

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة