١٤ التدبر في القرآن

١٤ التدبر في القرآن
00:00 --:--

التَدَبُرُ في القُرآنِ الكَرِيم

 

كتابة الأخت الفاضلة فاطمة آل السيد

 

قال اللهُ العظيمُ في كتابِه الكريم: “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا”.

وقال جل شأنُه: “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا”

حديثُنا بإِذن الله تعالى يَتَنَاوَلُ موضوعَ التدبُر في القرآن الكريم.

معنى التدبُر

التدبُر في اللغة يعني النظر إلى دُبُر الشيء. كُلُ شيءٍ في الحياةِ له وجهٌ يقابلك، ولهُ طرفٌ يكونُ دُبُرًا بالنسبة إلى ذلك الشيء.إقبال وإدبار، قُبُلُ الشيء ودُبُرُ الشيئ. وهذا في الأمور التكوينية إلى الكلمات إلى غير ذلك.

المنزل له وجهٌ يقابلك وله دُبُرٌ تحتاجُ أن تَذهَبَ خلف المنزل لكي تنظر إليه، فلا تستطيعُ أن تنظُرَ إليه وأنت مُقَابِلٌ لهذا البيت.

 الكلام أيضًا ينطبق عليه نفسُ الفكرة، فالكلام لهُ منطوق - ألفاظ - ولهذهِ الألفاظ أبعاد وأعماق وما ورائِيات، بمعنى دُبُرُ هذا الكلام، ماذا يُراد وماذا يُقصد. هذا بالنسبة إلى الاشتقاق اللُغوي، ولذلك يأتي عادةً هذا التعبير في الأمور التي تحتاج إلى تَفَعُل وتَعَمُل. يُقال إذا هَمَمتَ بشيءٍ فتَدَبَر عاقبته، هذا الشيء له مُقدماتٌ أمامك، وله أيضا عواقِب، المقدمات لا تحتاجُ إلى جُهد لكنَّ عواقب ذلك الشيء تحتاج إلى جُهد، وتحتاج أن تتدبرها وأن تذهب وراءها. كما قلنا المنزل لِتَرى واجِهته فإنك لا تحتاجُ إلى شيء، ولكن لكي ترى دُبُرَه فإنك بحاجةٍ لتتغير مكانك والذهاب لكي تراه. أي أمرٍ من الأمور فهو في ظاهره شيء، ولكنَّ عاقِبَتهُ ونتيجتهُ ونهايتهُ تحتاجُ إلى تأمُلٍ وتَدبُرٍ وتَفَكُر.

 القرآن الكريم أيضًا هكذا، أيُ إنسانٍ - إذا كان عربيا - يستطيعُ أن يُلاحِظ الألفاظ فيه، مثلا “بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ” شيءٌ واضح، هذه البسملة يبدأ فيها الله باسمه تعالى الذي هو الرحمن والذي هو الرحيم، وهذا لا يحتاجُ الشيء الكثير في فهم واجِهَتِه، لكن إذا أردت أن تتدبر في الأمر فستحتاجُ أن تَغُوصَ قليلًا في أعماقِ هذا الكلام، وأن تنظُرَ أدباره، وتنظر نتائجهُ وخلفياتِه.

 أمثلة على التدبُر في القرآن الكريم

المثال الأول: لو أردنا أن نُطبقَ هذا الكلام مثلا على آية “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا”، من الممكن أن يستنتج أيُ شخصٍ بالقراءةِ الظاهرية بأن هذا تساؤُلٌ في القرآن، ظاهِرُ الآية هو التساؤل، ولكن في حالِ أن شخصًا مُتدبِرًا قرأها فإنه سيكتشف من نفس هذا اللفظ أمورًا أخرى. منها أن التدبُر أمرٌ محبوب ومطلوب ومرغوبٌ في القرآن الكريم لأن الله حرَّض وحضَّ عليه “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ” أي لماذا لا يتدبرُون، وهذا نوعٌ من التشجيع والحث على مِثل هذا العمل. هذه نتيجةٌ من النتائج غير الموجودة في الظاهر، والتي تحتاجُ إلى تفكيرٍ وتأمُل حتى ينتهي القارِئ لمثلِ هذا الأمر.

ومع التفكير بشكلٍ أعمق في الآية نستكشف أنه بالإضافة إلى أن التدبُر في القرآن الكريم أمرٌ محبوبٌ ومطلوبٌ من عند الله وإلا لما أُمُرَ بِهِ من قِبَلِه سبحانه، إضافةً إلى ذلك فإنهُ أمرٌ مقدورٌ عليه، ولو لم يكن كذلك لما أمرَ اللهُ بِه. فيَتَبَين من الآية أن هذا الأمر مُتَيَسِرٌ للإنسان.

ونستفيدُ أيضًا أنَّ الذي يُعيقُ الإنسانَ عن الوصولِ إلى معاني القرآن إنما هو إقفالُ العقل. حين يُقفِلُ الإنسانُ عقله فإن النورَ الإلهي لا يصلُ إليه. لو كان في منزلك نافذة ولكنها مُغلقة فإن الشمس والهواء لن يصلا إلى المنزل، بالرغم من أن الشمس تُشرقُ كل يوم، ولكن إغلاقُ النافذة سيكونُ سببًا في عدم وصول ضوء الشمس إلى المنزل. وكذلك نافذةُ عقل الإنسان إذا كانت مُغلقة فإن نور الله لا يصل إليها، طبعا القلوب في الآية تعني العقول، وليس عضو القلب، هذا شيءٌ من التدبُر والتَفَكُر في نهايات هذه الآية والذي يكشفُ للإنسان أمورًا مُتَعَدِدَة.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٢

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة