١٤ التدبر في القرآن

١٤ التدبر في القرآن
00:00 --:--

 ثانيًا التفكُر في كلماتِ الآياتِ المباركات. ننظُر للكلمة الموجودة في الآية ماذا تعني؟ وهذا طبعًا يقتضِي أن نتَدَبَر في الآيات الُمحكمة وليس المتشابهة والمتشابكة والتي ليست من مُستوانا، وإنما الآيات التي فيها منحىً أخلاقي أو عقائِدً بَيِنَة أو أحكامًا واضحة، هذه آياتٌ محكمات، وهي أكثرُ آياتِ القرآن الكريم.

مثلا نتفكر في سبب اختيار لِكلمةٍ مُعينة دُون غيرها من الكلمات. تعلمون أن كلمات اللغة العربية أولا كُلما زادَ المبنى فيها زادَ المعنى أيضًا، مثلا كلمةُ “قَرُبَ” تختلف عن “اقتَرَبَ” ، “حَمَلَ” تختلف عن “حَمَّلَ” مع أنها نفسُ المفردات ولكنَّ المعنى يختلف.

كمثالٍ من القرآن الكريم نذكُر الآية المباركة التي تقول “وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا” وفي موضِعٍ أخر آيةٌ أخرى تقول “إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”.

أيضًا سُمِي بعضُ أعداء أمير المؤمنين بالقاسطين، والله يقول ان الله يحب المقسطين، فكيف يكونُ ذلك؟

يقولُ عُلماءُ اللغة أن “قَسَطَ” وفاعِلُها “قَاسِط” تعني “ظَلَمَ” وفاعِلُها “ظالِم”، لذلك المعنى في الآيةِ الأولى هو الظالمون، وعكسها تمامًا “أَقسَطَ” فهُو “مُقسِط” أي “عَادِلَ”، هنا تغير الفعل من ثلاثي إلى رباعي واختلف المعنى على إثرِ ذلك، في هذه الحالة يحتاجُ الإنسان أن يُميزَ بين هذه الكلمات.

ذكرنا سابقًا في ليلةٍ ماضية أنه من ميزات اللغة اشتِقاقُها من الفعل الثلاثي غالبًا، فكُلما يزيدُ في الفعل شيء فإن معناهُ يتغير. الفعل “دَبَّر” مُختلفٌ عن “استَدبَرَ” وعن “تَدَبَرَ”. كُلُ إضافةٍ وتغييرٍ في الصيغة تؤثر في المعنى، فيحتاجُ الإنسان أن يتفكرَ في هذه الكلمة لماذا استُخدِمَت في هذا المكان مع إمكانية استخدام كلمة أخرى فيه.

مثالٌ آخر نذكرُه في ما يرتبط بذبح الحيوان وتذكيته. تذكيةُ الحيوان لها أحدُ طريقتين إما الذبح أو النحر. النحرُ للإبل والذبحُ للشاة والخروف والطيور وما شابه. اختلف الناس في تذكية البقر لأنهُ ليس بحجمِ الإبل ولا بحجم الشاة، فهل يُلحق بالإبل أم يُلحقُ بالفئة الأخرى؟ فرجع المسلمون للإمام (ع) فقال “ليس إلا الذبح” قالوا كيف ذلك؟ قال “إن الله تعالى يقول -إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً -“. هنا كان بالإمكان أن يقول الله عز وجل “أن تنحروا” أو “أن تُذكوا” ولكن ما دام أنه سبحانه استخدم كلمة الذبح ليس غيرها، وهي مقرونةٌ بأمره تعالى فيتبين أن الذبحَ هو المشروع، وغيرُهُ يحتاجُ إلى دليل، طبعًا الأئمة (ع) عندهم عِلمُ الكتاب، ولكن نحن نتعلم من طريقتهم.

 ثالثًا النظر لسياقِ الكلمة والمعنى التركيبي للجملة. كُلُ جُملةٍ تتكون من كلماتٍ ومن سياقٍ مُعين. ترتيبُ الكلمات بهذا الشكل هو الذي يجعلُ كلام الناسِ مُختلفًا فيما بينهم، نحن نتكلمُ بنفس الكلمات لكنّ ترتيبَ الكلمات يختلِف فتختلِفُ المواضيع على إثرها.

لذلك نحتاجُ أن نتدبَرَ في السياق التريبي للجملة، ونتفكَرَ في ارتباط الجملة ببعضها، هل هذه الجملة بعضها يرتبط ببعض بمقدمة وسبب؟ أي أن القسم الأول منها سبب والقسم التالي نتيجة؟ أو تِعداد؟ أو غيرُ ذلك؟

 نذكرُ ما نُقِلَ عن الأصمعي - مع أن مقولات الأصمعي يُشكِكُ فيها بعضُ العلماء والسبب هو إمكانية أن يُنقلَ عنهُ كُلُ هذا النقل، لأن لهُ صولاتٌ كثيرةٌ في الأدبِ في مناطقَ مُتعددة من الحجاز واليمن والعراق وغيرها، على أي حال نحنُ نستفيدُ من أصلِ القصةِ هنا - يقولُ الأصمعي كُنتُ أقرأُ الآية المباركة “وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ - واللهُ غَفُورٌ رَحِيم -” وكان بِجانبي أعرابي فقال “كلامُ من هذا؟” قلتُ “كلامُ الله” قال “لا يكونُ كلامُ اللهِ هكذا” فالتفتُ أني قرأتُهُ بشكل خاطئ، الُمفتَرَض أن تُقرَأ الآية “وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” قال الأعرابي هذا يكونُ كلامُ الله عز وجل، لأن هاتان اليدان سرقتا فقطعهُما اللهُ بِعَزَتِه وعَاقَبَهُما لِحكمتِه، اللهُ عزيز فأمر بقطعِهِما من جهةِ العزةِ والقُوّة، واللهُ حكيم، قرّرَ بِحكمتِه هذا القانون حتى لا تسُود السرقةُ في المجتمع. وهذا كلامٌ صحيح.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٢

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة