١٢ علم تجويد القرآن في نظريتين متعاكستين

١٢ علم تجويد القرآن في نظريتين متعاكستين
00:00 --:--

أما الأمر الثالث فغاية علم التجويد أن يعلم الإنسان قواعد، إن احتاج إليها كما هو الحال بالنسبة إلى غير العرب طبقها، أما العربي فلا يحتاج إلى معرفة مخارج الحروف. لكن هذا الذي لم ينطق الضاد في عمره يحتاج أن يتعلم كيف ينطقه مرة بالتلقين، ومرة -مع غياب الملقن- بوضع قواعد يتبعها حتى يخرج الحرف من مكانه ومخرجه. فهذا إذاً توجيه أصحاب هذه النظرية التي تؤيد قضية الاهتمام بالتجويد وتعليمه وتعلمه.

أما بالنسبة إلى قضية الأثر التربوي لاسيما الأثر الاجتماعي يقول لك هذا خطأ -ممارسة خاطئة. نوع من الإغترار عند من يعرف علم التجويد. فلا يصلي خلف أي شخص، فالعيب ليس في العلم وإنما في غرور الإنسان. وهناك من ليس له علم بالتجويد ومع ذلك لا يصلي جماعة لأنه اغتر بعلم ناقص فلم يفرق بين الواجب في التجويد -الذي تكون القراءة خاطئة بتركه- وبين ما هو الأكثر من المحسنات، فالخطأ منه لا من العلم. في التجويد مثلاً، في (الضالين) هذا مد واجب لا يعفى عنه. فلو كان مثلاً ١٠% من علم التجويد لازماً، ربما يخطأ ناقص العلم فيضن أنه يلزم اتباع ٧٠% من علم التجويد، فلا يصلي خلف الإمام الذي يطبق ١٠% فقط من أحكام (اللازمة). فهذا خطأ أو استكبار أو استعزاز من هذا الإنسان، فلا تحمل القضية على علم التجويد ذاته. هذا عرض للنظريتين.

حاصل المقام:

حاصل المقام ما الذي ينبغي أن يقال نلخص ما هو الصحيح من النظريتين في الأمور التالية: الأمر الأول أن علم التجويد ينبغي ألا يبخس حقه نهائياً وألا يعطى فوق حقه. لا يكون تفريط فيه بشكل كامل ولا إفراط في جانبه. لو فرضنا مثلاً عندنا معهد قرآن أو لجنة قرآنية يجب أن تكون الأولوية في تعليم معاني القرآن. فتصرف على الأقل نصف موارد المؤسسة القرآنية في تعليم المعاني. ذلك أن (هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)، لكن متى؟ عندما يعرف الناس مقاصده ومعانيه. وبعد ذلك في المرتبة الثانية تصحيح تلاوة الناس. إذا كان لتعليم المعاني نصف موارد المؤسسة، تصحيح التلاوة له ثلاثة أعشار (٣٠%)، ليقرأ الناس القرآن بشكل صحيح، يتلونه تلاوة صحيحة. بعد ذلك باقي العشرين من المال، الوقت، والجهد تكون في قضية المحسنات بدءاً بالتجويد إلى التحسين الصوتي والمقامات. فالصوت الحسن في قراءة القرآن مطلوب في الروايات "زينوا القرآن بالصوت الحسن" و"حلية القرآن الصوت الحسن". هكذا يصبح توازن فلا يكون هناك إلغاء تام للتجويد ولا يعطى المقام الأول، فيكون الفرد مشغولاً ليل نهار بأحكام التجويد وهو لا يعرف معنى آية واحدة أو يلتزم بمؤداها. موازنة تعلم معاني القرآن مع التلاوة الصحيحة والتجويد هو الأمر الأول.

الأمر الثاني أن يحذر دارس التجويد من الآثار التربوية الضارة لدراسة هذا العلم. فيحذر الدارس من التعمق كما في الرواية التي تحذر من التعمق في دراسة النحو "من تعمق في النحو سلب الخشوع"، لأنه في أثناء القراءة يفكر (اهدنا السراط)، (اهدنا) فعل أمر، بعدها الفاعل مخاطب مقدر بالله -سبحانه وتعالى- (نا) مفعول به، (سراط) مفعول ثاني، وهكذا. متى يفكر في المعاني المطلوبة منه. نفس الكلام في التجويد لا يصير يسلب الخشوع، ولا يصير أثر اجتماعي له بحيث يعتقد أن كل البرية مخطئون إلا سماحته. كل الناس قراءتهم غير مقبولة من الله إلا هو. كل الناس صلاتهم غير صحيحة أئمةً ومأمومين إلا هو. هذا يصبح كبراً وليس تأثراً بالقرآن، هذا أمر ثاني.

أمر ثالث، التفريق بينما هو لازم وواجب، وبينما هو تحسين وتكميل وتجميل. في الفقه، في باب القراءة، تذكر الموارد القليلة التي يجب فيها مراعاة قواعد التجويد. المدود الواجبة مثلاً، مثل (الضالين). أما ما ذكره علماء التجويد أن الوقوف في القرآن ٥٢٢٠ وقف وهذه يجب الالتزام فيها. من أين جيء بهذه الأوقاف؟ هل الله أمر بها؟ هل المعصومون ذكروها؟ فهذه من التحسينات يستطيع الإنسان أن يلتزم بها، ويستطيع ألا يلتزم بها. تحسين الصوت في القرآن أيضاً مطلوب، لأنه من كمال ذلك، من المؤثرات. نقل أن نبي الله داوود -على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام- كان حسن الصوت جداً وكان إذا قرأ المزامير (المزامير مثل آيات وأجزاء -عندنا- في الزبور) حتى الطيور والحيوانات كانت تنجذب إليه. ما أعظم هذه القدرة الصوتية الجبارة وهذا التأثير العظيم. وفي أئمتنا يذكر الإمام زين العابدين -سلام الله عليه- (نحن نعتقد أن باقي الأئمة هم هكذا ولكن المنقول عنه ذلك هو الإمام زين العابدين) في رواية عن الباقر -عليه السلام- أنه كان من أحسن الناس صوتاً أو أحسن الناس صوتاً، فكان إذا قرأ القرآن انجذب الناس إليه، ووقفوا يستمعون إلى قراءته القرآن على الباب (على باب بيته) حتى ينقطع الطريق لشدة الازدحام. هذه قراءة الإمام زين العابدين. وفي رواية أكثر تفصيلاً من هذه أنه كان إذا قرأ في الليل اجتمع السقائون (سقائو المياه يبدوا أنهم يخرجون في الليل حتى يأخذوا الماء من الآبار ويمرون أول الصباح على البيوت لمن يحتاج إلى السقي). فكان السقائون ينجذبون إليه ويستمعون إليه وهو -صلوات الله عليه- يستدنيهم إليه ويجلسهم ليستمعوا. كأنما هناك خصوصية في قضية السقي والسقاية. لا أعلم هل الإمام -سلام الله عليه- في ذلك الوقت كان يذكر بحضور السقائين عطش أبيه الحسين -عليه السلام- في يوم كربلاء أو لا يذكر ذلك.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة