١٢ علم تجويد القرآن في نظريتين متعاكستين

١٢ علم تجويد القرآن في نظريتين متعاكستين
00:00 --:--

الأمر الثاني أنه ليس صحيحاً أن علم التجويد ناشئ في أحضان المدرسة الأخرى فقط، وإنما المسلمون جميعاً اهتموا بهذا العلم كسائر علوم القرآن فكان من مدرسة الخلفاء من لديهم علم التجويد وفي مدرسة أهل البيت من لديهم أيضاً هذا العلم. ويقولون أن عدداً من القراء المشهورين -القراء لابد أن تكون قراءتهم قراءة مضبوطة، الحروف يخرجونها من مخارجها دقيقة، فلا يصبح أي شخص قارئاً- كانوا من يذكر أنهم كانوا يتشيعون في ترجماتهم. من هؤلاء القراء الذين تحدثنا عنهم في الليلة الثالثة حفص وعاصم والكسائي وحمزة الزياد وأبو يحيى ابن أبي العلاء. إذن، قسم من القراء المتقنين لقضايا التجويد وقضايا مخارج الحروف وما يرتبط بها من أحكام كانوا من تلامذة أهل البيت -عليهم السلام- وتلقوا بعض هذه القراءات من فم الأئمة، مثل حمزة الذي يروي عن الإمام الصادق قراءة القرآن قرأ عليه، وغيره يحيى ابن يعمر تنتهي قراءته إلى أمير المؤمنين عن طريق أبي عبد الرحمن السلمي الذي يقول أقرأني علي ابن أبي طالب القرآن حرفاً حرفاً.  فهذه القراءات المعروفة والمشهورة والتي يفترض أنها تعمل بالتجويد كانت لدى الشيعة. بل يذكر العلامة المرحوم الدكتور الفضلي -رضوان الله تعالى عليه- (من أبناء المنطقة ومعروف من العلماء الكبار والمتخصصين أكاديمياً وحوزوياً عنده كتاب في علم التجويد) أنه أول ما انفصل علم الصرف عن علم النحو كان بواسطة معاذ ابن مسلم الهراء النحوي (المتوفى سنة ١٨٧هـ). هو من فصل علم الصرف عن علم النحو. عادةً العلوم هي هكذا. الطب، مثلاً، يبدأ طبيب علم بعد ذلك يتخصص في طب العيون، أو طب الأسنان، أو طب الباطنية، أو طب القلب. والقلب أيضاً يصير فيه تخصصات. وهكذا سائر العلوم ومنها العلوم الإنسانية أيضاً هكذا: في البداية كل ما يرتبط باللغة يكون في علم واحد بعد ذلك يتم التخصص فيه وتقسيمه.

أول ما انفصل علم الصرف عن علم النحو أتت مع علم الصرف مسائل علم التجويد. من هو بطل هذه القضية؟ معاذ ابن مسلم الهراء النحوي، ونص على أنه كان يتشيع، وعمّر طويلاً حتى أن بعض تلامذته ماتوا وهو على قيد الحياة، وقيل إن بعض أبنائه توفوا وهو على قيد الحياة. توفي سنة ١٨٧هـ. ويذكر أنه من أصحاب الإمام الصادق وأسند عنه (يعني توفي بعد الإمام الصادق أقل من أربعين سنة بقليل ما يشير إلى طول فترة عمره). وكان يتشيع حتى ذكروا أنه كان يفتي حتى سأله الإمام الصادق "بلغني أنك تجلس في الجامع وتفتي." قال "بلى ولقد أردت أن أسألك عن هذا. فإن الرجل يأتيني وأعرف أنه ممن يحبكم فأخبره بمحض الحق" (قولكم، أي أخبره أنه رأي أهل البيت هو كذا). "ويأتيني رجل أعرف أنه ممن يخالفكم فأفتيه بقول غيركم" رجل يسألني مثلاً عن رأي أبي حنيفة (أعلم أنه من غير أتباعكم) فأفتيه برأي أبي حنيفة أو غيره. "ويأتيني الرجل لا أعرف أنه يحبكم ولا يخالفكم" لا أدري (غير واضح لدي). "فأقول له رأيكم في ضمن الآراء" أخبره له أهل المدينة يقولون كذا، أهل الكوفة يقولون كذا، أهل البيت يقولون كذا. فحسن الإمام فعله قال "نعم اصنع هكذا".

فالرجل إذاً كان من شيعة أهل البيت، وهو بناء على ذلك التقريب أول من فصَل علم الصرف عن علم النحو وأخذ معه مسائل علم التجويد. فإذاً كما كان هنا وفي القراء، كان في المدرسة الأخرى نفس الشيء. فلا يصح القول أنه هذا فقط كان منشأه منشأ عامي (منشأ في مدرسة الخلفاء) ونشأ من طرف الخلفاء لأجل إغواء الناس عن أهل البيت، هذا الأمر الثاني.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة