الرد على ذلك: أن القرآن صالح لكل زمان ومكان ومن جملة تلك الأزمنة هو الزمان الذي انزل فيه، والمراد توجيه عظمة الله فيه لمن يخاطبهم كقوله تعالى (( وترى الجبال جامدة وهي تمر مر السحاب))، فو استبدل الله في آياته بعض الكلمات بكلمات أخرى مثل لو استبدل كلمة الإبل بكلمة الكنغر أو الباند والناس في ذلك الزمان لم يروا هذه الحيوانات أبداً فهذا يكون خلاف الحكمة، فالله سبحانه وتعالى يريد أن يبين مظاهر عظمته للإنسان ولذلك لابد أن يجعله يرى ما هو قريب له كالمطر، الجبال، الغنم والإبل.
هناك آيات أخرى كقوله تعالى: ((سنريهم ءاياتنا في الآفاق وفي أنفسهم))، فهذ الآية لا تختص فقط بالإنسان الذي يعيش في مكان معين أو في زمان معين وإنما لكل شخص أينما يعيش فليتأمل في بدنه وجسمه وسيجد مناحي عظمة الله عز وجل، ولينظر في الأفلاك ويسير في الآفاق ليرى عظمته سبحانه وتعالى، فالله عز وجل كما يخاطب الناس الذين نزلت هذه الآية في زمانهم فبأسلوب آخر يخاطب غيرهم.
العجيب في الامر انهم عزلوا القرآن عن التشريع لهذا الزمان وقد نصبوا أنفسهم مشرعين، فالمفكر العربي والمثقف العربي الذي لا يكون عالماً في القضاء ولا عالماً في الإفتاء ولا ما يرتبط بهذه الأمور وإنما لديه فكرة قد استوردها من مكان آخر فقد جعل لنفسه منصباً قضائياً وهو منصب الإفتاء بأن الميراث لابد أن يكون بالتساوي بين الذكر والأنثى وأن الحجاب غير واجب وغيرها من القضايا، وهذا من أغرب المفارقات بأن هؤلاء الذين لديهم صلاحية حتى ضمن الظروف الإعتيادية وليسوا متخصصين في الأمر يجعلون أنفسهم مشرعين، فضلاً من أن القرآن به تشريعات وقد خاطب الناس بقوله تعالى: ((وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا))، فهذا الكلام ينطبق على ذلك الزمان وهذا الزمان وبعد مائه عام وبعد ألف عام، فهم جعلوا الله سبحانه وتعالى وكانه غافلاً في رأيهم عن أن الظروف ستتغير وستتبدل المجتمعات وانهم يحتاجون إلى قوانين أخرى، وقد ظنوا ان الله تعالى نسي فقد توجه إلى العرب في الزمان الاول ونسي المجتمعات الأخرى وتغيرها بعد مدة من الزمان.
فهم قد غفلوا بان حلال محمد هو حلال الى يوم القيامة، وأن حرامه هو حرام إلى يوم القيامة، وهذا من الاحاديث التي اجمع عليها الفريقان وهم مدرسة الخلفاء ومدرسة أهل البيت عليهم السلام، فما كان قد وضعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبلغه على أساس الدوام فهو دائم وما كان دون ذلك من احكام ولائية مؤقتة فإنه يشار إلى انها مؤقتة بحسب زمانها ومكانها، وإلا فإن الأصل في التشريع هو دوامه واستمراره لأن التشريع ناظر غلى تكامل الإنسان، فصلاة الإنسان تصنع تكاملاً له سواء في القرن الأول أو في القرن العشرين.
فهؤلاء الحداثيون تدرجوا، اولاً قاموا بتغيير مفهوم الوحي والقرآن الكريم النازل من الله عز وجل بواسطة جبرئيل وبعد ذلك قالوا أن القرآن بما انه كلام البشر فهو مرهون بظروف تاريخية زماناً ومكاناً وبيئة معينة، وينتهي هذا كله عندهم إلى ان أحكام الدين الإسلامي في يومنا هذا ليست واجبة الإتباع وإنما نستطيع أن نقرر بأنفسنا قرارات وقوانين في العبادات والمعاملات.
لماذا نحن إذاً عندنا تأكيد من قبل أئمة الدين ومن القرآن الكريم نفسه على تعظيمه وصيانته كما جاء في قوله تعالى: ((أنه لقرآن كريم لا يمسه إلا المطهرون))، سواء عن جاء بمعنى أنه لا يعرف أعماقه إلا المطهرون الذين أذهب الله عنهم الرجس وهم أهل البيت، أو جاء بمعنى انه لا يجوز لمس حروفه إلا والإنسان على طهارة، فكلا المعنيان يفيدان تعظيم القرآن الكريم فهو كلام الله عز وجل وكل ما لله من عظمة وهو ليس نصاً ولا كلاماً بشرياً، فمجرد النظر للقرآن هي عبادة من العبادات، وأيضاً جعلت درجات الجنة على أساسا آيات القرآن الكريم فيقال لقارئ القرآن يوم القيامة (اقرأ وارقى)، فقد عظمت منزلة القرآن الكريم وجعلت في أعلى الدرجات وهذا كله لأن عظمته نازلة من عظمة منشؤه وخالقه وهو الله سبحانه وتعالى.