لماذا كان قرآنا عربيا ؟ ٥

لماذا كان قرآنا عربيا ؟ ٥
00:00 --:--

 ويستفيدُون مثلًا في اليهوديةِ من بعض العبارات التي تقصُ قِصة آدم، وهي موجودة لدينا أيضًا في القرآن الكريم “وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” موجودٌ في التوراة ما يُشبه هذه الآية تقول “المُعلم للأسماء هو الله سبحانه وتعالى”، وبداية معرفةِ الأسماء هي بداية اللغة. أنتَ الآن لو كان لكَ طفلٌ حديث الولادة، عند بداية نطقه تُعلمه الأسماء، فتقولُ لهُ مثلا “بابا” فيحفظها، “ماما”، “باب”، “كأس” فيحفظها وهكذا، فهو تدريجيا يلتَقِِط هذه الأسماء ويبدأ باستخدامها ويتعلمُ اللغة. نفس هذا الكلام ينطبق على ذلك الزمان، فالله سبحانه علّم آدم الأسماء، وآدم علّم البشر وانتشرت اللغة من خلال ذلك.

 هذا طبعا بناءً على تفسير “وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” بقضية اللغة والكلمات والألفاظ، وإلا فإن هناكَ تفاسير أُخرى وتأويلات لهذه الآية، منها مثلا ما يرتبط بالعقائد كما لدينا في الإمامية أن تفسيرَ هذه الآية هو أن الله علّم آدم أسماء آل محمد (ص). ولذلك بعض مُفسري الإمامية يقول أن الله لم يَقُل “ثم عرضها” وإنما قال عز وجل “ثم عرضهم” وكأنما هناك أشخاصٌ أو ذوات.

بناءً على التفسير الآخر أن الأسماء تعني الأشخاص، الكلمات، الألفاظ، الإشارات وهي بداية اللغة، ثم بدأت هذه اللغة تتوسع، هذا المنشأ الأول الذي يتحدث عن نشأة اللغة والذي يًشير إلى أنهُ منشأ ديني.

 الاتجاه الثاني هو الاتجاه الاجتماعي في تفسير نشأةِ اللغة. هذا الاتجاه يقول بأن القضيةَ لا ترتبطُ بالضرورة إلى أمر ديني ووحي إلهي، وإنما هو تعبير لحاجةٍ اجتماعية. الله سبحانه بعدما زوّد الإنسان بهذه الأدوات من سمعٍ وبصرٍ وعقلٍ ولسانٍ وقدرةٍ بيانية، البشر بدورهِ بدأَ يكتشفُ أنه بحاجةٍ إلى التواصل والتفاهم، فبدأ يبتكر اللغة. بدايةً بَدَأَ بالإشارة، الإشارة تحولت إلى عبارة، والعبارة تحولت إلى لغة. افترض الآن أنك التقيتَ مع شخصٍ لا تعرفُ لُغته، كيف تتواصل معه؟ بدايةً تبدأ بالإشارات، ثم ربما تُشيرُ إلى نفسِك وتُخبرهُ باسمك، وهو يقومُ بالفعلِ نفسه، بعدها تدريجيا هذه الإشارات تتحول إلى عبارات وألفاظ، وفي النهاية تبتكرون لغةً تتفاهمون بها، كذلك البشر في أول أمره كان بهذه الصورة.

 هناك أشخاص من المتقدمين والمبتكرين عُرِفوا بابتكار الألفاظ، في اللغة العربية مثلا يعرب ابن قحطان كان ممن لهُ قدرةٌ استثنائية، فبدأ يضعُ الألفاظ إلى المعاني، ومِثلُهُ تجد في اللغات الأخرى كالإنجليزية والعبرانية وهكذا.

 فإذن القضيةُ مربوطةٌ بحاجةٍ اجتماعية، وقد يَستَشهِدُ بعضهم على ذلك بأن الإنسان لم يبتكر لُغةً بينه وبينه الإنسان الآخر وحسب، وإنما ابتكر لُغةً بينهُ وبين الآلة أيضا. الحاسب الآلي الآن لهُ لغة معينة تُحول هذه الألة من صامتة إلى ناطقة ومستجيبة لك، لو أزلتَ هذه اللغة من الحاسوب لرجعَ لوضعه الطبيعي وإلى صمته.

أيضا الروبوت له لغة معينة ورموزٌ خاصّة لو استخدمتها لتَفَاعلُ معك، ولو أزلت هذه اللغة التي كَوّنَها البشر لعادَ الروبوت قطعةً من حديد. وعليه فإنهُ من الأسهل على الإنسان أن يبتكر لغةً أو طريقة للتواصل مع بني جنسه من أن يبتكر لغة تواصل مع الآلات.

 وهذه النظرية هي الأكثر قبولًا عند الناس، ولذلك عندنا في بحوث الأصولية العالية لعلمائِنا الكبار، نجدُ أنه في أول الأبحاث الأصولية مبحثُ الوضع، وضع الألفاظ للكلمات، ووضع الألفاظ للمعاني. كيف هذا يَدُلُ على ذاك؟ عبر أي شيء؟ لو أتيتُ أنا بصيغةِ “افعل” هل مقصودي الأمر؟ ماهو الارتباط بين هذه الكلمة وذلك المعنى، هل هو ارتباطٌ حقيقي كما ذهب إليه بعض عُلماءِ اللُغةِ القُدامى مثل ابن جني الموصلي أُستاذ الشريف الرضي رحمه الله. هذا الرجل كان يعتقد أنه هناك ارتباط حقيقي بين الكلمة والمعنى ولن نتطرق الآن إلى تفاصيل هذا الأمر.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة