لماذا كان قرآنا عربيا ؟ ٥

لماذا كان قرآنا عربيا ؟ ٥
00:00 --:--

 إذن هذان منشآن في نشأة اللغة، اتجاهٌ ديني أو وحيٌ إلهي، واتجاهٌ اجتماعي يقولُ أنَّ البشر بأنفُسِهِم اكتشفوا وطوروا الكلمات في كل منطقة، وتكونت هذه اللغات. وإن كان بعضهم يقولُ أيضا أن أُصُولها واحد ثم بدأت تتفرق وتتميز.

 اللغةُ العربية هي واحدة من اللغات القديمة التي انتشرت في الجزيرةِ العربية، بالذات بعد نبي الله اسماعيل على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام.

اسماعيل جدُ النبي (ص) أُصوله عبرانية، فهو في الأصل يتكلمُ العبرانيةَ أو السيريانية، لكنهُ جاء إلى المنطقة العربية في مكة المكرمة، وقد كان أهلُها يتحدثُون العربية، ففُتِقَ لسانُهُ بالعربية.

هذه المنطقة تطورت فيها اللغة العربية، استوطنها الناس خاصةً بعد وجود البيت الحرام فيها مع أن الوادي كان غير ذي زرع، هذا الاستقرار يُنتجُ العلم والثقافة والحضارة ويُطَوِرُ اللغة، وهذا ما حصل. وما جاء زمن بعثة النبي (ص) إلا واللغة العربية وصلت إلى درجات مُتقدمةٍ من السعةِ والإتقان، فنزل القرآن الكريم في هذه المنطقة باللسان العربي.

 مميزات اللغة العربية:

إضافةً إلى ذلك، الميزات الموجودة في اللغة العربية ليست موجودةً في سائِر اللغات، فهي لغةٌ أغنى، وأثرى، وأوسع. لنأخذ بعض الأمثلة من ميزات اللغة العربية:

أولا اللغة العربية تعتمد على الاشتقاق من اللفظ الجذري، لو لاحظت قواميس اللغة العربية تجد أنها تذكرُ الكلمة الأولى التي تتكون من ثلاثة حروف، مثلا “ضَرَبَ” معناها أصلٌ يدل على احتكاك شيءٍ بشيء، ثم تبدأ بذكر كل اشتقاقاتها.

 الاعتماد على الجذر اللفظي ولا سيما إن كان صغيرا يُعطي للُغوي مساحة كبيرة للاشتقاق، ولذلك ذكروا أن اللغة العربية فيها ١٦ ألف جذر، وهذا عددٌ كبيرٌ جدا، لنفترض أن كل جذرٍ يُشتقُ منه ١٠٠٠ كلمة، وهذا ماهو موجودٌ بالفعل، فإن أعدادَ الكلمات ستكُون هائلة. لذلك العلامة الدكتور جواد علي، وهو أحد الباحثين العراقيين المهمين جدا وله كتبٌ متعددةٌ محققة، أشارَ إلى أن الألفاظ والكلمات الموجودة في اللغة العربية تصلُ إلى ١٢ مليون كلمة عربية.

 لنقارن هذا العدد بلغةٍٍ أخرى، لدينا أشهرُ لغة الآن هي اللغة الأنجليزية، بعضُ الدراسات تذكر أن جميع كلمات اللغة الإنجليزية عددها فقط ٦٠٠ ألف كلمة. لو قارنا هذا العدد بذاك الموجود في اللغة العربية لوجدنا أن كلمات اللغة العربية تصل إلى ٢٠ ضعف من اللغة الإنجليزية، أي أنها أكثر ب ٢٠ مرة من كلمات اللغة الإنجليزية، والتي تُعد الآن أنها سيدة اللغات في العالم.

 سعةُ اللغة، كثرةُ الكلمات فيها وكثرةُ العبارات تجعلُ المُتكلم قادرٌ على الحركة في مساحةٍ واسعةٍ جدا، لو أراد أن يُعبر عن أدقِ الأفكار فإنه لا يتحير في الكلمة. مثلا لو كان لديك شارعً عرضه نصف متر وشارع آخر عرضه ١٠ أمتار، ولديك أيضا سيارة من آخر طراز، في الشارع الأوسع تستطيع الإستفادة من هذه السيارة بصورةٍ أفضل من الشارع الضيق، لأنه في هذا الشارع الضيق لربما هذه السيارة لا تستطيع أن تتحرك فيه وإن كانت من أفضلِ السيارات.

 ومثلُ ذلك اللغة، اللغة التي تحتوي على كلماتٍ كثيرة، ألفاظٍ كثيرة، ومساحتُها مساحة واسعة فإنها تسمحُ للمتكلم والكاتب بحريةٍ ومساحةٍ كبيرة في الكتابة والتحدث. وهذا ما سنتطرقُ إليه فيما بعد أن المعاني القرآنية العالية المُنَزّلة من السماء تحتاج إلى لغةٍ بحجمها، لغةً غنيةً، قويةً ثريةً، أما اللغات ضعيفة التركيب وقليلة الألفاظ فلن تستوعب هذه المعاني الكثيرة.

 ثانيا اللغةُ العربية تستفيد من الهيئات. عندنا الكلمات مثل كلمة “ضَرَبَ” هذه كلمةٌ فيها مادة، مادتها “ض” و “ر” و “ب”، وفيها أيضًا هيئة والتي تعني الصيغة الخاصّة بها، مثل “ضرب” تختلف عن “ضارِب” وتختلف عن “يضرِب” في الصيغة. الحروف هي نفسُها ولكن الصِيغ متعددة.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة