لماذا كان قرآنا عربيا ؟ ٥

لماذا كان قرآنا عربيا ؟ ٥
00:00 --:--

لِمَاذَا كَانَ قُرآنًا عَرَبِيَّا

 

كتابة الأخت الفاضلة فاطمة آل السيد

قَالَ اللهُ العظيمُ في كتابِه الكريم: “وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ” صدق الله العلي العظيم.

 

حديثُنا بإذن الله تعالى بعنوان لماذا كان قرآنا عربيًا؟

من الواضح أن لغة القرآن هي اللغة العربية وأنهُ قد وصفَ نفسه بأنه عربي في مواضعَ متعددةٍ بلغت أحد عشر موضعا، منها “قُرْآنًا عَرَبِيًّا”، “بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ” وأمثال ذلك.

 

هنا تأتي أسئلةٌ متعددة، منها مثلا هل أن هذا يُشير إلى فضيلةٍ للعرب لأن القرآن الكريم قد نزل بِلُغَتهم؟ الجواب أنه ليس بالضرورة ذلك، وإنما كان في بعض فترات التاريخ الإسلامي تحزُبات ناشئة على أساس قومي، فأصبحت جماعة من ذوي النزعةِ القومية العربية يرونَ العربي أفضلَ من غيره، لا لشيءٍ إلا لأنه عربي. وفي زمان الأمويين، وبالذات في زمان عبد الملك وصاعدًا نَمَتَ هذه النزعة، لا سيما مع بعض الولاة مثل الحجاج الثقفي، خالد ابن عبدالله القسري وأمثالهم ممن كانوا يُعادون الموالي ويُهِينُونَهم ويذلونهم لا لشيءٍ الا لأنهم ليسوا من العرب، فهم في نظرهم في مرتبةٍ أدنى وأقل. حتى وإن كان هؤلاء الموالي أعلى منهم في العلم والتقوى.

 

وكانت هناك ممارساتٌ سُلطوية تُؤيدُ هذا الاتجاه، في مقابل هذا نَشأت نَزعةٌ مقابلة لذلك اصطُلِح عليها باسم الشعوبية، وهي عند غير العرب، تقول أن العرب أمةٌ متخلفة وبقيةُ الأمم كالفُرس والتُرك والديلم أشرف منهم وأفضل، ولهم ميزاتٌ عقلية خاصة، ويَصِفُون العرب بأنهم أهلُ البوادي والجهل، وظل هذان التوجهان يصطرعان.

 

كِلا التوجهين في نظيرنا خطأ، والميزانُ الإسلامي المعروف يقول “إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ”. أنتَ لم تَختر أن تكون عربيا، وُلدت من أبوين عربيين ولا تستطيع تتغير هذا الاختيار، وذاكَ وُلد من أبويين فارسيين أو تركيين وعلى هذا المعدل. في المحصلة، الشيء الذي لا يكون باختيار الإنسان فإنه لا يستطيع أن يتفاخر به على غيره. ولكن هذا الأمر كان موجودا في تلك الفترة، لذلك قسمٌ من الذين كانوا يُريدون تفضيلَ العُنصر العربي على غيره كانوا يقولون أنه من آيات فضلنا أن القرآن الكريم نزل بِلُغتنا، والطرف الآخر كانوا يردُونَ عليهم بالقول أن العرب كانوا في أسوء حالاتهم لذلك القرآن جاء حتى يُعالِجهم.

 

قد يأخذُ البحث حول قضية العربية في القرآن الكريم هذا المنحى، وهو منحى خاطئ، وقد يكونُ سؤالا كما في بعض حال الأسئلة التي تأتي بأنهُ لماذا تم اختيار اللغة العربية للقرآن الكريم بالرغم من أن اللغات التي عُرفت للبشر يبلغ عددها أكثر من ٣٠٠٠ لغة، وأن من هذه اللغات المتعددة هناك ما يُقارب الـ ١٠٠ لغة قد تحدث بها مئات الأُلوف، فلماذا جُعِل القرآن عربيا؟  

وسؤالٌ آخر يُطرح أنه بالنسبة للعربي القرآن الكريم مُعجِزٌ لأن لغته عربية، ولكن لغير العربي لا معنى لأن يكون القرآن مُعجِزًا، فإذن الإعجاز باللغة العربية هو للعرب وأما للمتحدثين بغير العربية فلا يُعدُ إعجازًا!

 

هذانِ سؤالانِ مهمان ينبغي أن نُجيب عليهما، وأرى أنهُ من الضروري تقديمُ مقدمةٍ حول نشأةِ اللغات عند البشر، كيف أصبحت اللغات موجودة عند البشر؟ لنفترض أنك تعلمت من والديك ووالديك تعلموا من آبائهم وهكذا، ولكن البشر الأول من أين جاءت لهم اللغة؟

 

اتجاهات نشأة اللغة:

هناك نظريات متعددة في هذا الجانب، و حتى لا نَتَطَرَقَ إلى التفاصيل، أنا أُخبركَ بأن هذه النظريات تنتهي بالموجز إلى اتجاهين:

الاتجاه الأول يقول أن نشوء اللغات عند البشر هو نشوءٌ ديني من الله عز وجل، أي أن الله سبحانه عندما خلق هذا الإنسان زودهُ بآلات ووسائل للتواصل اللغوي مع بني جنسه. فأعطاه السمع والبصر ولسانٌ وقدرةٌ على البيان، وأعطاهُ أيضًا العقل لِيَعقِل به الأشياء ويحفظ به الأمور ويستنتجها، هذه الأمور هي بمثابة أدوات وآلات للتواصل اللغوي، بعدها عندما أرسل الأنبياء فإنه كما أعطى الأنبياء برنامجًا للحياة السعيدة في هذا الدنيا والذي يُوصلهم إلى رضوان الله في الآخرة، فهو أيضًا أعطى للبشر طريقةً للتخاطب، وهي اللغة. فعَلمَ الأنبياء اللغة وهم بدورهم علموا أقوامهم.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة