ذكر الله، لا يتيسر لكل أحد، ما يجي عفوي، وإنما هو مرتبة من المراتب، (الذاكرين الله كثيرا والذاكرات)، (ولذكر الله أكبر)، (وأقم الصلاة لذكري)، هذي مراتب، ما تحصل عفوية، وإنما تحتاج إلى توفيق من الله، إلى صلاة من الله على هذا الإنسان، إلى تزكية من الله لهذا الإنسان، يخرجه من ظلمة الغفلة إلى نور الذكر، ومن ظلمة الشهوة إلى نور البصيرة، وهكذا. فيحتمل هذا ويحتمل ذاك.
إذن، الآية المباركة، بضميمة التفسير وإشارة الرواية، تقول: أن الله سبحانه وتعالى، جعل الفرائض بحدود معينة، بينما بالنسبة إلى الذكر لم يجعل له حدا، وإنما هو بلا نهاية، ما دمت على قيد الحياة، وتستطيع أن تذكر ربك، فافعل، بكرة وأصيلا، صبحا، مساء، على أي نحو كنت فيه.
هناك سؤال ربما يطرح ويذكر، وقد ذكره بعض الأخوة الأفاضل، وأحببنا الإشارة إليه، أنه: لماذا يكون الخطاب الديني، قائما على الحالة التجارية بين الإنسان، وبين ربه؟ يعني شنو قائم على الحالة التجارية؟ يعني يقول له مثلا: من قال لا إله إلا الله الملك الحق المبين، أعاذه الله من الفقر، آنس وحشة قبره، قرع باب الجنة، كأنما سوي هذا الشيء، حتى نعطيك، في مقابله كذا وكذا من الحسنات. من قال: الحمد لله رب العالمين، أربع مرات في يومه، فقد أدى شكر ذلك اليوم، قالها في ليلته، أدى شكر تلك الليلة. هذا كأنما سلم واستلم. سوي الشيء، وهذا الأجر ماله. أليس الأفضل، بدل هذا، أن يصير توجيه، إلى قضية حب الله، واستحقاق الله للذكر، مثلما ورد فيما نسب إلى أمير المؤمنين (ع)، في نهج البلاغة: "إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قوما عبدوه رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوما عبدوه حبا فتلك عبادة الأحرار"، مو الأفضل، أن نوجه في خطابانا الديني وأن توجه الآيات، وأن توجه الآيات والروايات، الناس إلى أن الله مستحق لهذا الذكر، بغض النظر عن ويش يعطيك. بغض النظر عن مكافأته إياك بالدرجات العاليات في الجنة، وبالتوفيق في هذه الدنيا، المفروض يعطي جهة أن الله يذكر لأنه يستحق أن يذكر، يحمد لأنه العبد ينبغي أن يكون محبا لربه، هذا أفضل.
والجواب هنا طويل، لكن نكتفي منه بمقدار، حاصل ذلك المقدار، هو أن: الخطاب والتوجيه تارة يكون لخاصة العباد، وكبار العقلاء، ووعاة العلماء، فيصير الكلام هكذا، فعلا. فئة من الناس تعبد الله حبا في الله، تراه مستحقا للعبادة، وترى كل عمل تقوم به تجاه ربها، لم يصل إلى ما يستحقه الله، لكن هذا كم في الألف، أو كم في المليون؟ أكثر الناس، ولا سيما من عامة الناس، يعني المستوى المتوسط في الناس، وبالذات في قضايا المستحبات، هؤلاء يحتاجون إلى ترغيب وتحفيز وباعث وعادة الإنسان يحب جلب الخير لنفسه، إما دنيوية، هذه المنافع، وإما أخروية.
الآن، أنت لما تتحدث مع جماعة، اللي يروح إلى فلان مكان، رح يحصل كذا من الأموال، واللي يبقى في هذا المكان، من الممكن يكون هناك خطر عليه، هذا في البعث إلى ذلك المكان، أكثر مما لو قلت: أنه إذا ذهبت إلى ذلك المكان ربما يحصل شيء حس، مو إلك، إلى غيرك. عادة الإنسان يجر النفع إلى نفسه، ولا ريب أن المستحبات وهي كثيرة، تستغرق شيئا من الوقت، ومن الجهد، فتحتاج إلى ترغيب، خصوصا وأنها ليست واجبة. احنا نجد حتى في الواجبات، قسم من الناس، لا يتحركون إليها، فكيف بالمستحبات.
نعم، هناك فئة من خاصة العباد، من خلص الخلق، من العلماء بالله، علماء مو يعني، ناس معممين، لا، العالم بالله عز وجل وبحقه على العبد، فعلا قسم من هؤلاء، يتحركون باتجاه عبادتهم حبا ولكن ما أندر هؤلاء وما أقلهم. وإلا، توجيه ما دام لعموم البشر، عموم البشر مفطورون على جلب النفع إلى أنفسهم ودفع الضرر عنها، هذي فطرة كل إنسان. فإذا قلنا: أصل الجنة، أنت اعبد الله، لاستحقاق الله للعبادة، أما سالفة جنة، مو معلوم توصل فيها، كم من الناس سيذهبون وراء العبادة؟ نسبة قليلة. أنت لا تعصي الله بالمعاصي الكذائية، نار ماكو. ولكن ليس من المناسب ن تفعل هذه الأفعال، الله ما يستاهل أن تعصيه، قسم قليل من لناس، يكتفون بهذا المقدار، إنما الوعيد على المعاصي والثواب على الواجبات والمستحبات، يشكلان دافعين باتجاه العبادة. نرجع إلى موضوع آثار الذكر لله بعد الصلاة على محمد وآل محمد. اللهم صل على محمد وآل محمد.