قيل ثم قام الخطباء والمتكلمون من أمثال مسلم ابن عوسجة وحبيب ابن مظاهر الأسدي وهنا يجب أن نشير إلى أن الروايات التاريخية تارة تكون ناظرة للترتيب في النقل وتارة لا تكون ناظرة للترتيب مجموعة من الخطباء تحدثوا يذكرون لا على نحو الترتيب، فإن كانت الروايات ناظرة للترتيب فهذه فضيلة عظيمة وخاصة لعابس ابن شبيب الشاكري نظرًا لإنه تقدم على كبار الشيعة أمثال حبيب ابن مظاهر ومسلم ابن عوسجة والمختار الثقفي وقادة التوابين تقدم عليهم جميعًا وهو من في منزلتهم فهو أول من أبدى حماسه لهذه الدعوة الحسينية واستقباله لمسلم ابن عقيل يبوء بمنزلة عالية.
مبايعة مسلم ابن عقيل:
بعد ذلك بدأ مسلم ابن عقيل العمل وتولى أمر البيعة مسلم ابن عوسجة وصار مسلم ابن عقيل لا يتمكن من بيعة الناس واحدًا واحدًا لكثرتهم فكان الناس يأتون لمسلم ابن عوسجة ويخبرونه ببيعتهم لمسلم حتى تكاملوا فيما ذكره المؤرخون ثمانية عشر ألفًا هنا كتب مسلم ابن عقيل رسالة إلى الحسين عليه السلام (أما بعد فإن الرائد لا يكذب أهله وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفًا فعّجل بالقدوم حين يأتيك كتابي فإن الناس معك ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوى).
عابس رسولٌ للحسين عليه السلام:
أرسل مسلم ابن عقيل رسالته للإمام الحسين عليه السلام مع عابس ابن شبيب الشاكري وأمره أن يوصلها إلى الإمام الحسين عليه السلام في الحجاز وكان في مكة وهذا الاختيار يُبين منزلة وفضيلة أخرى من فضائل عابس الشاكري نظرًا لأن الرسالة تحتوي قضية مهمة فاختيار مسلم ابن عقيل لعابس الشاكري دون الباقين يعطيه منزلة ومكانة خاصة.
إلى كربلاء: خرج عابس مع مولاه شوذب من الكوفة إلى مكة المكرمة وسلّم الرسالة للإمام الحسين عليه السلام وبقي معه في مكة ثم خرج معه إلى كربلاء ولم يرجع إلى الكوفة لأن غايته كانت نصرة الإمام الحسين عليه السلام وقد وصل لغايته فبقي معه حتى خروجه إلى كربلاء.
شوذب مولىً لبني شاكر
معنى شوذب: في العربية الرجل الطويل القامة حَسَن الخَلق مُتناسق البدن. والمولى أحد قسمين:
أولًا: يكون المولى عبدًا فيعتقه مولاه لكنه يبقى على ولاء السيد الذي حرره واعتقه لوجه الله أمثال قمبر مولا الإمام علي عليه السلام وجون مولا أبي ذر الغفاري وأسلم التركي وواضح موليا الإمام الحسين عليه السلام.
ثانيًا: يكون المولى حرًا لكنه ليس عربيًا يهاجر إلى القبائل العربية فيلتحق بأحد القبائل ويكون ولاؤه لها كنوع من الضمان والحماية الاجتماعية وقد كان هذا النظام جاريًا قبل الإسلام والإسلام أمضاه ومن هذا القسم كان المقداد ابن الأسود الكندي فلم يكن من قبيلة كِندة لكنه كان خائفًا لأنه اُتهم بجريمة قتل فتحالف مع أحد القبائل المهمة في ذلك الوقت وهي قبلة كِندة فنُسب إليها وشوذب كان كذلك أيضًا فهو حر انتسب إلى بني شاكر من همدان فيقال شوذب ابن أبي عبدالله الشاكري فانتمى إليهم وتعلق بهم فأصبح من مواليهم مع إنه حرٌ وليس عبدًا.
والمثال الواضح في وقتنا الحاضر لهذا القسم هو أن يتعرض إنسان ما لاضطهاد إنساني أو سياسي أو ديني في بلده فيهاجر إلى بلد آخر ويأخذ جنسية البلد الآخر وهو ما يسمى باللجوء السياسي لتأمين الحماية في الزمن الماضي لم تكن الجنسية والأورق الحكومية بل كان يقدم الولاء ليأخذ اسم القبيلة وحمايتها.
منزلة شوذب:
ينقل عن شوذب أنه كان من خُلص أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وكان الناس يأتون إليه ليسألوه عما أُبهم عليهم من قضايا دينهم فكان وارثًا لكثير من علم الإمام علي عليه السلام وكان عنده مجلس للإفتاء لذلك يرى بعض العلماء ومنهم المحقق النوري أن مرتبة شوذب أعلى من مرتبة عابس فما وصلنا من أخبار عن شوذب تبين أن مرتبته أعلى مرتبة عابس لكن المشهور هو عابس لإنه وجه من وجوه بني شاكر من همدان وشوذب من مواليهم.