يقول بعض العلماء إن الأعمال التي يقوم بها الإنسان من سيئات في هذه الدنيا لا يلقى جزائها في يوم القيامة وإنما يلقاها هي نفسها، ولكنها في هذه الدنيا غير حقيقة ويوم القيامة يراها بصورتها الحقيقة والتي هي عبارة عن عذاب دائم.
مثلاً : (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠) - سورة النساء. هؤلاء حقيقة يأكلون ناراً وإن كانت مستورة عنهم حاليا ولكنهم يرونها في العالم الآخر. (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) - سورة ق. في هذه الدنيا لا ترى الحقائق كاملة كما لا ترى الملائكة وهي موجودة ، و لا الجن ولا قوة المغناطيس .. إلخ. في ذلك العالم الآخر، أتيح لك فرصة أن ترى أعمالك السيئة على حقيقتها وأن تراها هي. القرآن الكريم يقول: (.. وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩) - سورة الكهف. وليس رأوا جزاء عملهم أو لم يروا عقوباتهم وإنما نفس العمل الذي عملوه جاء في ذلك اليوم على حقيقته. على سبيل المثال: شرب الخمر هو عبارة عن كأس فيه سائل في هذا الدنيا ولكنه بناء على هذه النظرية في حقيقته نار ملتهبة إلى ما لا نهاية خالد فيها. الآن لا يحس فيها ولا يشعر بها ولكن في ذلك العالم سيكون عالما شاعر بها. فما يجترحه الإنسان من أعمال سيئة في هذه الدنيا لا يلقى عقوبته في الأخرى وإنما يلقاه هو بنفسه. فليس لدينا إن الله يعاقب بكيفيات ومدة طويلة، وإنما هذا الذي أنت تفعله. أنت هنا أيها البعيد عندما تشرب الخمر، أنت واقعاً تسجر لك نار عظيمة جدا إلى مالا نهاية من الأزمنة. ذلك البعيد يزني، ظاهر الأمر هو يلامس امرأة بمتعة لكن هذا هو نفسه يغوص في مستنقع من الجحيم يعده لنفسه يوم القيامة. الآن لا يشعر فيه لكن في ذلك الوقت سيراه (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا) أنت تبني اليوم مكانك ذلك اليوم.
فهذا أول جواب يجيب به العلماء : أن هذه العقوبات في حقيقة أمرها لم يفرضا الله علينا وإنما نحن قمنا بها . الآيات كشفت عنها وبينتها لِحِكم تترتب عليها كما سيأتي لاحقاً.
الجواب الثاني:
الله سبحانه و تعالى فرض هذه العقوبات لحماية الإنسان نفسه في إيمانه، ولحماية المجتمع، و لبلوغه الغاية التي أرادها الله منه. وفرض عقوبات عظيمة لأنه علم أن الإنسان لا يرتدع إلا بهذه الطريقة. الآن الواقع المعاصر شاهد على ذلك. يقول أصحاب هذا الجواب مع التشديد العظيم والوعيد المخيف مع ذلك تجد البشر في عصيانهم لله في أنفسهم وعصيانهم لله في غيرهم وتعديهم على الاخرين والعالم يضج بمثل هذا الامر. مع هذه التهديدات والتخويفات والوعيد العظيم هناك الكثير من التجاوزات و نرى العالم مملوء بتجاوزات الإنسان في علاقته مع الله و مع البشر، فلو كان العذاب أخف سيكون التجاوز أكبر من هذا بكثير.
فهذا جواب ان من حكم التشريع لأجل ألا يتمادى الإنسان في إفساده غاية الخلق. الله خلق هذا الخلق وهذا الكون لأجل غاية. حكمته اقتضت ألا يجبر الإنسان على سلوك سبيل الطاعة وأن يعطيه حرية الإختيار وفي المقابل توعده بالعقوبة و العقوبة الشديدة على كل عمل يعمله من الأعمال السيئة ومع ذلك نجد أن البشر في تجاوزاته تخطى الحدود. أي أن الأمر سيكون أسوء بكثير بدون هذه العقوبات.
الجواب الثالث: انت تارة تنظر إلى الذنب هذا الصغير فتقول هذا الذنب شرب كأس من الخمر، معاشقة مع امرأة محرمة عليه، سرقة ١٠٠٠ ريال من زيد أو عمر، انت تراها هذه بذاتها صغيرة لكن لو نظرت إليها نظرة أخرى أنها تحدي لخالق الكون الله عز وجل، لمن خلقك ولم تكن مستحقا للخلق، لمن أنعم عليك ولم يكن هناك داع يدعو الله أن ينعم عليك. خلقك انعم عليك ثم يأتي الله يقول لك لا تفعل هذا الأمر، ثم تقوم به. هل رأيت أحد صغّرته وحقرته أيها البعيد كما حقرت ربك؟. أمام الناس لا تقوم بأي ذنب من الذنوب. هل رأيتم مثلاً أحد يتعرى أمام الأطفال/ يشرب الخمر/ يمارس الزنا أمام طفل عمره ١٣ سنة؟ كلا! لكن يفعل ذلك أمام حضرة الله/ رؤية الله تعالى. هذا الانسان بدون أن يدري أو حتى مع علمه صغّر الله إلى مقدار طفل اقل من ١٠ سنوات, وهنا يأتي الكلام مع أولئك الذين يقولون نحن شربنا خمر في بيتنا لم نعتدي على أحد، فعلنا الذنب الفلاني لكن لم نسرق ولم نضرب ولم نظلم. الله سبحانه وتعالى ليس أحد! لم يكن له كفؤا أحد. أي شيء أعظم تحقير و تهوين لربك من أنك تخشى الناس والله أحق أن تخشاه، من انك تراقب أي مفتش من المفتشين وتخشى جانبه ولا ترتكب ما يريد وربك العزيز الجبار المتكبر المنعم عليك لا تراعي له نظره ولا تلتفت الى رضاه وغضبه!.