وفي اليمن - الذي يعرف بالخزان السكاني للعرب- سيطر إبراهيم بن موسى بن جعفر أخ الإمام عليها، وكان يدعو إلى الرضا من آل محمد، فانكب الناس على مبايعته، فأصبح واليا عليهم.
وبُعِث إلى مكة، ونواحي الحجاز محمد بن جعفر أخ الإمام موسى بن جعفر الكاظم وعمّ الإمام الرضا عليهم السلام، الذي كان يلقب ب ( الديباج) ([٨])، حيث بقي فيها حوالي السنة، فكان تبديل كسوة الكعبة بواسطته باعتباره حاكما لها.
وفي المدينة خرج محمد بن سليمان بن داوود بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وفي واسط خرج جعفر بن محمد بن زيد بن علي، والحسين بن إبراهيم بن الحسن بن علي([٩]).
فكان الأمر يضيق بالمأمون الذي فقد معظم ولايات حكمه بما في ذلك بغداد التي كانت آنذاك في حكم الأمين.
ولاية العهد ومكائد المأمون
ارتأى المأمون وبمشاورة الوزير الفضل بن سهل التخلص من بعض هذه المشاكل وهذه التبعات بأن يستجلبوا الإمام الرضا عليه السلام إلى خراسان.
أرسل المأمون رجاء بن أبي الضحاك لإشخاص الإمام الرضا عليه السلام من المدينة، وأمر بحمله وحمل قسم من آل أبي طالب، ولتلافي لقاء الإمام بالناس أخذه على غير الجادة المعهودة، والطريق المتبع، فكانت القوافل المتجه من المدينة نحو العراق تسلك الطريق باتجاه البصرة فالكوفة فبغداد ثم إلى بلاد فارس، أو من البصرة إلى الأهواز إلى أن يوصلوا إلى خرسان في الشمال الغربي([١٠]).
المأمون أخذ الإمام عليه السلام عن طريق الأهواز مرورا بـ(مرو) ثم (سراخس) وهذه المناطق غير مأهولة، وإذا كانت مأهولة فهي بعيدة عن الحالة السياسية، وعن التأثر عمّا يحدث من اضطرابات، وكذلك لم تكن معروفة بالولاء إلى أهل البيت عليهم السلام.
والغرض من هذا ابعاد الإمام الرضا عليه السلام عن مواليه وشيعته لئلا يؤازروه، ولا تتحرك مشاعرهم نحوه.
ولكن الإمام عليه السلام أبطل هذا القيد، فكان يحدث الناس متى ما سنحت له الفرصة كما حدث في نيشابور([١١]) التي لم يكن أهلها من الموالين لأهل البيت عليهم السلام، مع ذلك الإمام الرضا عليه السلام تحدث معهم، وروى لهم الحديث المعروف بحديث سلسلة الذهب([١٢]).
إن اختيار الإمام عليه السلام لحديث سلسلة الذهب وهو الحديث الذي أملاه على أصحاب الحديث ومنهم: أبو زرعة، ومحمد بن أسلم الطوسي وقد سمع الحديث ألوف الناس ونصه: سمعت أبي موسى بن جعفر عليه السلام يقول: سمعت أبي جعفر بن محمد عليه السلام يقول: سمعت أبي محمد بن علي عليه السلام يقول: سمعت أبي علي بن الحسين عليه السلام يقول: سمعت أبي الحسين بن علي عليه السلام يقول: سمعت أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: سمعت جبرائيل عليه السلام يقول: سمعت الله عز وجل يقول: >لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي ، فلما مرت الراحلة نادي أما بشروطها وأنا من شروطها<([١٣]).
إن إسناد الإمام للحديث بهذه الكيفية له معنى كبير، وفوائد كثيرة أبرزها:
- تعريف الناس بأئمة أهل البيت عليهم السلام من خلال السند المروي.
- ربط التوحيد بإمامة أهل البيت عليهم السلام وذلك بقوله: > بشروطها و أنا من شروطها<، أي إمامتي والانتماء لي من شروطها.
كان المأمون يهدف بإخراج الإمام من المدينة إلى خراسان، وعرضه عليه الخلافة، وإن لم يقبل فولاية العهد لمجموعة من الأهداف:
الهدف الأول: اخضاع الإمام عليه السلام تحت المراقبة، بدلا من أن يكون بعيدا عن أنظارهم، بحيث لا يستطيع أحد التواصل معه إلا من خلال قصر الخلافة.