ما يبتلى به المعصوم من مشاكل وأمراض وغيرها، وهذا كان موجود عند المعصومين، ولحكمة ما أطلع الأئمة بعض أصحابهم على هذا الأمر، وهذا يبين أن المستوى العقلي والذهني والاستيعاب عند الشخص مستوى عالي جدا، فلا يطلع كل إنسان على هذا، وليس فقط علم المنايا والبلايا، بل أن بعض القضايا والأفكار إذا تطلع عليها شخص ما، يزداد إيمانا، وآخر يزداد ضلال، فعندما تتكلم مع شخص، أعطه بمقدار إنائه، فأمير المؤمنين يقول مخاطبا كميل بن زياد:"يَا كُمَيْل بْن زِيَادٍ، إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ (٤) فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا". فشخص يستطيع تحمل بمقدار كأس، وآخر بمقدار بحر، فالذي يتحمل القليل إذا حُمّل مقدار أكبر منه، من الممكن أن يضل بها، والعكس.إن الإمام لو أُطلع شخص على أمور كبيرة وعظيمة وغير طبيبعية، يتبين منها أن هذا
الشخص له منزلة خاصة، وحبيب بن مظاهر واحد من الأشخاص الذين أطلعهم الأمير على بعض علم المنايا والبلايا، فالنبي الأكرم مثلا يقول:" إنّ عمّاراً جلدة ما بين عيني وأنفي" ولكن لا توجد إشارات أن الإمام قد علمه علم المنايا والبلايا، نعم علمه النبي عن طريقة مقتله وهذا أيضا مقام، فقد قال له آخر شرابك ضياح من لبن، وتقتلك الفئة الباغية، وقال أيضا: "ويح عمار تقتله الفئة الباغية"، بينما سلمان عُلّم العلم الأكبر، وحبيب بن مظاهر أيضا.الشاهد على علم حبيب:فالشاهد هو ما يُنقل بعد شهادة الأمير(ع) من أن حبيب كان يمشي في الكوفة على فرس له، فالتقى بميثم التمار وظلا يتماشيان حتى اختلفت أعناق فرسيهما (لشدة قربهما من بعض) حتى قال حبيب له: لكأَنّي بشيخ أصلع ضخم البطن، يبيع البطّيخ عند
دار الزُّرقِ، قد صُلِب في حبِّ أهل نبيّه، ويُبقر بطنه عليّ الخشبةِ (يقصد بذلك ميثماً) فأجابه ميثم التمَّار: وإنيّ لأعرف رجلاً أحمر له ضفيرتان، يخرج لينصر ابنَ بنت نبيِّهِ فيُقتل، ويُجال برأسه في الكوفة ( يقصد حبيباً بن مظاهر ). سمع الحاضرون هذا الكلام، فقالوا: ما رأينا أكذب من هذين الرجلين، وهذا نتيجة عدم استيعاب وفهم الشيء المحيط من الحضور، فينسبون الكذب للرجلين بدل من الاعتراف بقصورهم في الفهم والمعرفة، وهذا ما يحصل لأغلبية الناس، فالروايات تقول: لا أدري نصف العلم، فما ليس لك به علم ليس من الخطأ أن تقول لا أدري به، فهذا علم لا جهل، وفي هذا المجال نذكر حادثة شخص أراد الدخول للدراسة الدينية وكان يريد أن يبين أنه في مراحل متقدمة من العلم، فسألوه هل
أنت دارس من قبل؟ قال: بلى أعلم، فسأله الممتحن ما هو الحدث الأكبر؟ (مثل الجنابة الذي لا يطهره إلا الغسل، والحدث الأصغر كالبول الذي يطهّر بالوضوء)، فسُئل الشخص عن الحدث الأكبر، ففكر وفكر فقال ما هو الحدث الأكبر هذا الوقت؟ فقال ظهور الإمام الحجة هو الحدث الأكبر، فسكت الممتحن وقال لن يكمل الأسئلة (أي عرف أن هذا الشخص لم يدرس العلوم الدينية من قبل ولكنه لم يفصح بذلك)، والشاهد أن الحضور قالوا ما رأينا أكذب من هذين الرجلين، فجاء رشيد الهجري وهو أيضا من الأفذاذ، فسأل الحضور: هل مر عليكم ميثم؟ قالوا: بلى قد مر علينا ميثم ومعه حبيب، فقالا كذا وكذا، فقال رشيد: رحم الله ميثما فقد نسي أن يضيف: ويُحمل رأس حبيب، ويُزاد في عطاء حامل الرأس ١٠٠
درهم، فقال الحاضرون: هذا أكذب الثلاثةّ!!شرطة الخميس:فما مرت الأيام حتى رأى هؤلاء المكذبين لكلام الثلاثة، رأوا ميثم التمار بعد شهادة الحسن عليه السلام، رأوا ميثما مصلوبا على نخلة وقد ابتدر بطنه ومات، ورأوا بعد مدة من الزمن، أن حبيب التحق بالحسين وقتل، ومن جاء برأسه، زيد في عطائه ١٠٠ درهم، وهذا الموقف يشير إلى أن مثل حبيب ومسلم ورشيد كان لديهم علما استثنائيا خاصا من أمير المؤمنين، ربما لا يوجد هذا العلم عند أصحاب الأمير المقربين، وهذا يدل على أن قابلياتهم الفكرية عالية وكبيرة، هذا فيما يرتبط بالجانب النظري والعلمي، وفي نفس الفترة التي كان فيها أمير المؤمنين، يُعدُّ حبيب بن مظاهر من شرطة الخميس، والخميس تعني الجيش وليس اليوم المعهود، حيث سمي الجيش بالخميس لأنه يقسم لخمسة أقسام، وخمسة