وبين قوسين هنا ملاحظة تذكرنا بما قاله أمير المؤمنين عليه السلام ، هل إن من قطعت يده أو كفه في معركة من معارك الإسلام، ينبغي أن يكون له جناحان في الجنة؟ لا ، ليس كذلك فهناك من الناس المقاتلين مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكذلك مع أمير المؤمنين عليه السلام ، ومع الحسنين وغيرهما قطعت أيديهم في المعارك ، وهذا أمرٌ وارد ، فكما يقطع الرأس أحياناً فقد تقطع الأيدي أيضاً ، ولو خير الإنسان مثلاً بين أن تقع الضربة على رأسه أو أن تقع على يده فإنه بلا شك يمد يده ، فلا شك أن هناك مئات من الناس مع رسول الله ومع أمير المؤمنين قد قطعت أيديهم لكننا لم نجد لا من طريقة الخلفاء ولا من طريقة مدرسة أهل البيت ، أن هؤلاء عوضوا بجناحين في الجنة، وهذا محل تساؤل ، من الذي يجيب عليه؟
يجيب عليه أمير المؤمنين عليه السلام في رسالة لمعاوية حيث يقول أني غير ذاكرٍ لك كلما أنعم الله به علينا ولن أذكر لك ذلك ولكن ألا ترى أنه يقتل شهيد من كل قومٍ حتى إذا قتل منا شهيد صار سيد الشهداء ، وتقطع من غيرنا أيادي ، حتى إذا قطعت من يدي أحدنا صار جعفر الطيار .
فهذا ينبه على أن هؤلاء الأشخاص على وجه التحديد من جهة أخرى لابد أن يكون لهم ما يميزهم ويختلفون به تماماً عن ما يكون عليه الشيء الظاهري لهم من القتال والدفاع عن الإمام فغيرهم يفعلون كذلك أيضاً لكن هؤلاء لهم مايجعلهم حين يقاتلون وتقطع أيديهم أن تكون له جناحان يبدله الله بهما في الجنة كجعفر الطيار .
ولا نبحث هنا في معنى الجناح ، هل هو المراد به مثل ذلك الذي لدى الطيور أو شي آخر فلا نتعرض له الآن .
لكن هذا المعنى وهذه الميزة التي يتحلى بها جعفر الطيار وأبي الفضل العباس ، ولم يُروى لا في خبر من مدرسة الإمامية ولا في غيرهم من فرق المسلمين أن هناك أحد غير هذين الإثنين جعل الله لهما هذه الميزة ، هذا يعني أن هذين الشخصين لهما ميزة استثنائية لا تقف فقط بمجرد أنه يجاهد بين يدي رسول أو بين يدي الحسين ، وإنما هو شيئ أكبر .ونجده في كلام الإمام عليه السلام ، ولذلك يقول أن للعباس عند الله عز وجل منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة.
وما الذي يعني جميع الشهداء يوم القيامة ؟ هذا إنما يعني أن الشهداء من لدن آدم إل يوم القيامة ،أي شهيد من شهداء الدين في كل ديانة من الديانات السماوية الحقة ومع كل نبي من الأنبياء أو وصي من الأوصياء ، كلهم هؤلاء الشهداء ، يغبطون أبي الفضل العباس عليه السلام على منزلته التي هو فيها .
وفي الحقيقة هنا فإن لسان الإنسان يعجز عن بيان هذه الكلمة وهذا المعنى، كل شهيد استشهد منذ أن خلق الله البشرية إلى يوم القيامة (باستثناء المعصومين عليهم السلام فهؤلاء خارجين بالتخصص)يغبطه بها . جميع الشهداء وكلمة الشهداء يقول العلماء أنه جمعٌ محلى بالألف واللام وهو يفيد العموم وكلمة ( جميع ) أيضاً تفيد العموم ، فعموم في عموم وذلك يدل على استغراق كل الأفراد ، هؤلاء كلهم يغبطون العباس عليه السلام لما يرون من منزلته . وليس من حسدٍ هناك إنما هو غبطة ( ونزعنا مافي صدورهم من غل )
فيغبطونه لما يرون منزلته الأرفع منهم بكثير وبمراتب .فرضوان الله وسلامه كما في الزيارة ، سلام الله التام والطيبات الزاكيات الصالحات فيما تغتدي وتروح عليك يبن أمير المؤمنين ، أشهد لك بالتسليم ، كنت مسلماً للحسين ( وهذه تحتاج لحديث خاص ) فهل هذه الدرجات والمراتب مترتبة على سبيل درجة بعد درجة،؟ أو كل واحدة منه في عرض الأخرى ؟ هل هي عمودية ؟ أم أفقية ؟ أشهد لك بالتسليم والتصديق والوفاء والنصيحة لخلف النبي المرسل ، والسبط المنتجب ، والدليل العالم والموصي المبلغ ، هذه كلها صفات الإمام الحسين عليه السلام وقد صدقه العباس فيها وسلَّم له فيه والتزم بكل أمر من أوامره صلوات الله وسلامه عليه.