التكبر شخصياته غير المعروفة ٣٨

التكبر شخصياته غير المعروفة ٣٨
00:00 --:--

أحيانا يصبح عند بعض العلماء - والحمد لله، أكثر العلماء ليسوا هكذا - لكن أقول: هذا الداء، من الممكن أن يحصل. فأكون أنا أطالع كتابا لواحد منهم، ثم أرميه هكذا، وأعلق: هو الإنسان إذا أراد أن يكتب، يكتب هذا! بهذه الطريقة! عيب عليه أصلا أن يكتب. معنى هذا: أنا عالم بالمناسبة، أنا كثير العلم، وذاك لا يمتلك شيئا. وقد يكون ذاك في نيته، أي بنيته المخلصة، يرفعه الله بهذا الكتاب، أو الكتيب الصغير، إلى مراقي عظيمة. وأنا لست كذلك. أو أحيانا أنا العالم – إذا كنت كذلك – أكون مستكبرا على الناس، وفي تقديري - مثلا – أنه: الناس أعمالهم كلها باطلة، وهذا فلان لا يدير باله على الطهارة والنجاسة، وإذا لم يدر باله على هاتين، ولم يبالغ في الوضوء، فصلاته صلاة باطلة، وإذا هي كذلك، يذهب إلى نار جهنم، لكني أنا الحمد لله، أتوضأ تماما، وأسبغ فيه، وأدقق عليه، فذاك أهل بغير الجنة، أما أنا فأهل لها، لأن ذاك من عوام الناس الذين لا يفهمون، خلافي أنا.

فإذا - لا سمح الله ولا قدر - أنا الخطيب، أو ذاك العالم، أو فلان الفقيه، كان يتصور عن الغير هكذا، يكون (إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ. أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ)، فيرى نفسه مستغنيا. كبيرا، عظيما، بهذا المقدار من الدرس الذي درسه. فأين هذا، وأين أكثر علمائنا، فإذا تلاحظون في قصص حياتهم، توقيعاتهم، فأكثر العلماء الكبار، كلما تعالى علمهم، يكتبون: الأحقر فلان، ليس الحقير، بل الأحقر.

وهؤلاء خُلَّص العلماء حقيقة، ممن يعتقد في نفسه أمام الله أنه حقير، وعبادته حقيرة، وتقربه إلى الله حقير، وعلمه بالقياس إلى علم غيره شيء بسيط وزهيد. حتى بعض هؤلاء العلماء - كما رأينا في كتبهم، وأمثال ذلك - حتى إذا رأى فكرة ليست قوية كليا، فيقول هكذا: بالمقدار الذي نفهم من كلمات هذا العالم، هو: أنه فيها هذا الإشكال وهذا الإشكال، ولعل مقصوده شيء آخر. فأين هذا الآخر - مثلي وأمثالي - الذي يقول: ماذا هي قيمة هذا الكلام؟ هذا كلام تافه، كلام لا يكتبه من يشم رائحة الفقه. وذاك يقول: نحن ربما لم نفهم كلام هذا العالم، ولعل مقصوده شيء آخر، أعمق من هذا. وهذا يقول: لا، هذا الكلام كلام ليس له قيمة علمية ولا كذا.

فهذا نموذج من النماذج التي تكبر فيها على عالم، أو تكبر على الناس كما قلنا. فيعتبر أن عامة الناس أعمالهم باطلة، وأشياءهم غير صحيحة. نعم، في مواقع إيراد المسألة الفقهية، يوردها، لا بأس. فيقول: إذا - مثلا - فعل هذا الفعل، على رأي الفتوى، فإن عمله عمل باطل. وهذا يبين مسألة فقهية. لا مشكلة في هذا. لكن أن يعتقد في داخله أنه من أهل الجنة، وفي الدرجات العالية. وأن عامة الناس؛ لأنهم لا يعرفون ما يعرف، ولا يفقهون ما يفقه، هم من أهل النار. هذا تكبر بلا شك.

نموذج آخر، من التكبر الذي قد يبتلى به بعض الناس، النخب الثقافية. فقسم من أبناء المجتمع، يقرؤون الكتب، يتثقفون، فيصبحون على مستوى ثقافي متميز، ولا سيما إذا أكثر من قراءة الكتب وتخصص فيها، وقرأ مرة كتب أجنبية، وأخرى كتب لكتَّاب مشهورين. عندها، قسم من هؤلاء النخب الثقافية يرى نفسه شيئا عاليا، شيئا عظيما، يرى نفسه خزان علم، وصاحب معرفة بالنظريات، فيبدأ يقول: ماذا هذا المعمم الفلاني، لا فهمه له، لا فقه له، لا يساوي صفحة من الكتب التي قرأتها. ويبدأ بعض هؤلاء بالاستخفاف بعامة الناس، ولذلك أحيانا ترى كثرة الانتقاد، وقسوة الانتقاد عند بعض هؤلاء، وإطلاقات هذا الانتقاد.

يأتي فيرى أن المجتمع مثلا يقوم بشعار معين، فيسلقهم سلقا بالانتقاد: هذه لا فائدة منها، ولا عائدة منها ترجى، وأن الناس ذاهبون وراء قضايا لا تنفعهم، وأمثال ذلك. يراهم يقومون بشعائر معينة، فينزل فيهم نزلة قوية. كل المجتمع في رأيه مخطئ، فقط هو سبحانه وتعالى – حسب التعبير – الفاهم، صاحب المعرفة، الذي يستطيع أن يكتب لك مصطلحات، وكل مصطلح بطول وعرض.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة