هذا الاسم الحسن من أسماء الله الحسنى بالنسبة إلى الله، لكنه يكون قبيحا ومرضا ومنقصة إذا مارسه الإنسان. والجميل أنه – إذا تلاحظوه في الآيات – عندما يأتي في الآية المباركة في حق الله سبحانه وتعالى، يأتي هكذا: (الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ)، لكن لما يأتي في حق الإنسان، يكون فيه تقديم، فيقول: (مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ)، (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ). فبالنسبة إلى الله بالعكس، فالجبار هو الذي عظمته فائقة، وواضحة، وظاهرة. المتكبر، هو من شأن الله الطبيعي. أي لا بد من ذكره، لا بد من إظهاره، لماذا؟ لأنه المعبود. لأن الله سبحانه وتعالى، لو ظهر منه التواضع، لو ظهر الضع، الضعف، الانخفاض، فهذا ليس إلها. فالإله الذي هو ضعيف، الإله الذي هو ناقص، الإله الذي هو عاجز، الإله الذي لا يمتلك. هذا ليس إلها، فتلك صفة نقص جل الله عنها وتقدس. أما حقيقة الله أن يظهر منه الجبروت، "اللهُمَّ أَهْلُ الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ وَأَهْلُ الجُودِ وَالجَبَرُوتِ"، وجبروت الله وجباريته، وعظمته وقوته وقدرته، هي التي تتناسب مع إلهيته وألوهيته. فلو ظهر خلافها من ضعف، من نقص، من عجز، من ضعة، فهذا يتخالف تماما مع الألوهية. بعكس الإنسان العبد، الذي شأنه الضعف، وحقيقته العجز، والضعة، وأنه لا يمتلك حتى نَفَسَه، وأقرب شيء له هو تنفسه، لكنه لا يمتلكه، لا يستطيع أن يوقفه، وإذا وقف عنه، لا يستطيع ماذا؟ استعادته.
لذلك صفة التكبر، والمتكبر، هي الصفة الاعتيادية الطبيعية بالنسبة لله، وهي الصفة غير الصحيحة لهذا الإنسان. فلا بد أن يظهر من الله التكبر والجبارية والعظمة، ويظهر من الإنسان الضعف والنقص والعبودية والتواضع. ولذلك إذا تكبر هذا الإنسان، فمارس، وجاء بغير ما ينبغي له، وبما ليس هو من قماشته، من حقيقته،
فحقيقتك أنت الضعف، حقيقتك العجز، حقيقتك أنك جئت إلى هذه الدنيا بغير إرادتك، وترحل عنها بغير إرادتك. أنت لست جبارا، أنت مجبور في حركة الأعضاء، التي أقرب شيء لك، قلبك الذي يتحرك بلا إذن، ويتوقف بلا رغبة منك إذا توقف. نفَسُكَ الذي تتنفسه كذلك، سائر أعضائك التي تحرك بها بدنك، فعلام التكبر؟!
قد يتصور الإنسان أن التكبر – إذ يقول: الحمد لله أنا بعيد عن التكبر – هو لهؤلاء الأغنياء، قارون، (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) هذا متكبر. أما أنا، أنا لست متكبرا. لا، أنا وأنت وأمثالنا من الممكن أن نكون متكبرين؛ لأن المتكبر ليس هو الذي يمتلك المال، وإنما من يرى أنه يمتلك، من يرى نفسه عالما، حتى لو لم يكن عالما! من يرى نفسه قادرا، حتى لو لم يكن قادرا! وهذا يحدث فيَّ أنا المنسوب إلى علماء الدين، ويحدث فيك أنت أيضا، حتى لو لم نمتلك – أنا وأنت - مؤهلات التكبر الظاهرية. وأورد لك بعض الأمثلة غير المتعارفة من حالات التكبر.
في العلماء، من الممكن أن عالما هو كبير، ومع ذلك يكون متكبرا. فعندما لا يؤثر علمه في تهذيب نفسه، وربما ليس عنده أموال، ولا يمتلك بيتا حتى، ولا ثروة طائلة، ولا سيارات، ولكن في داخله يرى نفسه أكبر من غيره، وأعلم منهم غيره، وأفضل، ويظهر ذلك.
افترض: أني أطالع بحثا لأحد من العلماء، من الخطباء، من الفقهاء، ثم أقول: ماذا هذا؟! كله تلفيقات مجمعة؟! هل من أحد يقول عند هذا شامة الفقه، أو معرفة علمية؟! هذا بحث ليس له قيمة أصلا. أنا لست قارون، ولكن هنا، عندما احتقرت غيري، وأظهرت نفسي بمظهر العالم الفحل الذي لا يشق له غبار، واحتقرت ذلك الجهد. وما يدريني ويدريك: لعل حقيقة ذلك، هو الرأي الصحيح، ورأيي ورأيك غير الصحيحين، ما يدرينا؟!