التكبر شخصياته غير المعروفة ٣٨

التكبر شخصياته غير المعروفة ٣٨
00:00 --:--

خفف يا أخي من هذا الأمر، فما يدريك أن ذاك هو الناجي، وأنا المتكلم أو أنت المثقف لسنا ناجين. ما يدريك أن ذاك في قلبه، في روحه، سموا وعلوا لا نمتلكه لا أنا ولا أنت. فيحتاج الإنسان في هذه الحالة أن يلاحظ هذه الأمور. لينتقد بعض الظواهر، لا مانع، لكن ليعالجها معالجات إيجابية. لا أن يكنس كنسا حسب التعبير، ويسفه الناس وأحوالهم وطرقهم.

وهذا حتى عند بعض العلماء والمنتسبين إلى أهل الدين، فمن الممكن أن يبتلوا به. بل ربما مثلي وأمثالي، ما دام الآن هو مرتد عمامة، أو محسوب من أهل العلم، فأعتبر نفسي فوق الناس، أمام الناس. فلماذا لا يقدمونني الناس؟! لماذا لا يجعلون لي صدر المجلس؟! لماذا لا يقومون لي احتراما وتقديرا؟! لماذا لا يعطونني مكانهم، لماذا ما كذا، وكذا؟!

على ماذا كل هذا؟! لماذا؟! فأنت ما دمت انتسبت إلى هذه الفئة، فالمفروض أنك ارتقيت إلى مستوى خادم من خدام الناس، "عَالِمُ الدِّينِ خَادِمًا لَهُ". فلا بد أن يذهب ويعمل ويتعب من أجل أن يبين للناس طريقهم. أريتكم كيف يعمل المرور في الشارع، عالم الدين المفروض هكذا بالنسبة إلى أمور الدين، فهو خادم للناس. وخادم الناس لا يستكبر عليهم، ولا يرى نفسه أكبر منهم.

وكما قلنا، قسم من النخب الثقافية، قد يكونون هكذا. وعلامة هذا أيضا أن الإنسان دائم الانتقاد لغيره. فيرى نفسه خارج قوس، ثم سائر الناس في قوس التقصير، وعدم الفهم، وعدم المعرفة. وهذا قد يحصل من قسم من الناس. نسأل الله أن لا يجعلنا منهم.

أحيانا، تضخم حالة الإنسان في نفسه، كأن يكتب في الفيسبوك شيئا، ثم يرى جماعة يثنون عليه. أو يصعد مثلي وأمثالي منبرا ويرى قسما من الناس، يقولون: أوه، ما شاء الله، كذا وكذا، فيصدق نفسه. لا، لا تصدق نفسك، تأمل، اسمع إلى غيرك ممن ينتقدك، انظر إلى الوجه الآخر، لا تصبح مثل ذلك الديك، كما قالوا. إذ يضربون مثلا للاستكبار بالديك الذي يتصور أن الشمس لا تطلع حتى يصيح بها صباحا، فإذا لم يفعل، لا يمكن للشمس أن تطلع. لابد أن يطلع هو من الصباح ويصيح بالشمس، حتى تشرق هي على الناس. لا، غير صحيح. فقبل أن يخلق هذا الديك، كانت الشمس تطلع. وبعدما أن خلقه، تطلع. وبعدما يؤكل على المائدة أيضا ستظل تطلع.

فلا تتصور أن الأمور موقوفة عليك. عالم الدين، لا تتصور أن هداية الناس من عندك، فهداية الناس من عند الله، (مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي). أنت خادم في هذه الأثناء، سبيل من السبل، عامل من العوامل، مؤثر من عشرات المؤثرات. وأنت أيها المثقف، لا تتصور أنه إذا صار في المجتمع – مثلا - نهضة ثقافية أو معرفة، أنها ببركاتك عليك السلام. لا، فأنت واحد من الناس، ساهمت بجزء قد يصل إلى واحد من ألف، واحد من عشرة آلاف، واحد من مائة ألف. فعوامل كثيرة حدثت هي التي انتهت إلى وعي المجتمع وإلى حركته الثقافية، وأنت واحد من تلك العوامل.

ينبغي أن يتعلم الإنسان أولا – كما يقول أمير المؤمنين – العالم ماذا؟ عادة أول ما نسأل، نقول: العالم الفلاني، ماذا درس؟ فلان مرحلة، مقدمات، سطوح، سطوح عالية، خارج، أو هناك عنده ثانوية، بكالوريوس، ماجستير، دكتوراه، أكثر من ذلك. لا. الإمام أمير المؤمنين (ع) يقول قبل هذا: "العَالِمُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ". إذا تعرف قدر نفسك، فأنت عالم. وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره. قدره أين؟ في دعاء عرفة اللي الإمام الحسين (ع) يقول: "وَفِي الذِّلَةِ أَرْكَزْتَنِي". عبد. هل من شيء أدنى من العبد؟! أنت عبد الله، لا تملك لنفسك شيئا، هذا مقدارك. إذا عرفت هذا المقدار وتصرفت على ضوءه، وتحركت في الحياة على ضوئه. يعني أنت عرفت قدر نفسك، وهذه أول درجات العلم.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة