الشاهد أن هذا الحادثة ينقلها المؤرخون من الفريقين عن الحوار بين هشام وزيد بأن هشام يلوي ويغير اللفظ في هذا المعنى فيرد عليه زيد ويصحح له بأن هذا كلام رسول الله وبأنك تخالفه ليس في هذا الموضع فقط، وإنما في أمور كثيرة، فماذا يعني إنكار صاحب "منهاج السنة" للقب الباقر وزعمه بأن هذه التسمية غير صحيحة و لم تعرف عن رسول الله؟! لماذا يقوم هشام – وهو عدو الباقر – بمعرفته بهذه التسمية، ويقلبه. ولهذا رأى البعض من تلامذة هذا الرجل أن الموضوع كبير ولا يمكن انكاره، ومن ضمنهم ابن كثير وهو تلميذ صاحب منهاج السنة، كان يكتب في أحد كتبه عن الإمام الباقر، أنه سمي بذلك بأنه كان يبقر العلم بقرا.
الجاحظ أيضا (متوفى ٢٥٠ هـ ) الذي هو غير محسوب على أهل البيت وعلى شيعتهم، بل هو محسوب على الفريق الآخر بل إلى حد ما يسيء القول في الشيعة، يذكر ذلك، ويقول بأن الإمام الباقر سمي بذلك لأنه يبقر العلم بقرا وقد سماه بذلك رسول الله ص.
ولد الإمام سنة ٥٧ هـ، يعني أن عمره الشريف كان ٣ سنوات وشيء عندما حدثت واقعة كربلاء، وحضر الواقعة، وسيأتي أن المصدر الرئيسي لأوثق مصادر التاريخ لمدرسة الخلفاء فيما يرتبط بواقعة كربلاء (تاريخ الطبري) ولنا بعض التحفظات عليه لجهة أنه غير مفصل و لجهة بعض الأمور غير الدقيقة. لكن من جهة ما يرتبط بواقعة كربلاء، بداياتها ، والأحداث التي وقعت فيها يُعدّ هذا الكتاب إلى الآن بالنسبة لمدرسة الخلفاء من أوثق المصادر التاريخية قياسا بغيره، وهذا يعتمد رواية الإمام الباقر ع.
عمار الدهني – أحد أصحاب الإمام : يقول للإمام: صف لي قضية كربلاء وما جرى على الإمام الحسين ع حتى كأني أراها (أو : كأني حاضر بها) فيبدأ الإمام الباقر عليه السلام يصفها بشكل كامل، ذاد الوقت كان عمره ٣ سنوات وشيء.
إما نحمل هذا الشيء أن هذا من علومهم الخاصة التي آتاهم الله إياها، أو أنه ينقل عن أبيه الإمام زين العابدين ع، كما سيأتي أنه قال لأحدهم: كلما حدثتك به من حديث بلا إسناد فسندي فيه، أبي زين العابدين ع، عن أبيه الحسين الشهيد ع ، عن أبيه علي بن أبي طالب ع، عن جده رسول الله ص ، عن جبرائيل ، عن الله عز وجل.
سنة ١١٤ هـ كانت سنة شهادة الإمام ع ، يعني أن عمره الشريف عند شهادته كانت ٥٧ هـ - على المشهور عن المؤرخين –
مدة إمامته ١٩ سنة، بعد شهادة أبيه زين العابدين ع تولى الإمام.
ماذا فعل الإمام عليه السلام حتى شق العلم شقا وبقر العلم بقرا؟ الموضوع يحتاج إلى حديث طويل، لكن نقتصر على بعض الجوانب في هذا الاتجاه.
أولا: الإمام الباقر ع صحح عند الناس فكرة الإمامة الإلهية.
من هو الإمام؟ هذه قضية من القضايا المهمة جدا. لماذا؟ لأنه لابد للناس من إمام بر أو فاجر، لا بد للمجتمع من قائد. مرة يكون هذا القائد فاجر – من غير الله .. لا نتكلم فيه الآن. ومرة أنت أيها المؤمن المتدين تريد أن تأتي و في عنقك بيعة لإمام حق، باعتبار أن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية. من هو هذا الإمام، وما هي صفاته، وهذه القضية كانت ولا تزال حتى يومنا هذا قضية مركزية.
معرفة الله أولا ومعرفة نبيه، ومعرفة الإمام، ولهذا نقرأ في الدعاء المستحب والمشهور عندنا. "اللهم عرفني نفسك، فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيك. اللهم عرفني رسولك فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني".