الإمام الباقر ع .. كيف بقر العلم في الأمة
تفريغ نصي الأخ الفاضل عبد الله العسكري
من حديث يرويه شيخنا الكليني في الكافي عن أبي عبدالله الصادق سلام الله عليه أنه قال: " كان جابر بن عبدالله – يعني الأنصاري – آخر من بقي من أصحاب رسول الله وكان رجلا منقطعا إلينا أهل البيت وكان يقعد في مسجد رسول الله ص وهو معتمر بعمامة سوداء، وكان ينادي: ياباقر العلم، يا باقر العلم، وكان أهل المدينة يقولون جابر يهجر، فكان يقول: لا والله ما أهجر ولكني سمعت رسول الله ص يقول: إنك ستدرك رجلا مني اسمه اسمي وشمائله شمائلي يبقر العلم بقرا" صدق مولانا الصادق عليه السلام وصدق سيد الأنبياء محمد ..
أول ما عرف لقب الباقر في الروايات والأحاديث، هو عن جابر بن عبدالله الأنصاري ناقلا له عن رسول الله ص
باقر العلم: واضح المعنى، بقر الشيء يعني شقه وأخرج دواخله، الأرض.. الفلاح يبقرها ، يشقها، يستخرج ما في داخلها يقلب ما في الداخل، فيصير في الخارج، وربما قيل بأن تسمية البقرة بالبقرة لأنها كانت تستخدم في الحرث ومثل ذلك، وهو بقر الأرض. بقر العلم، يعني كأنما العلم له سطحان (جهتان) سطح خارجي وأعماق، مثل الأرض التي لها سطح خارجي كل الناس يراه يلمسه، ولها أعماق، فلا بد أن تكون متخصصا وتكون لديك أجهزة حتى تستطيع أن تستكشف ما في داخلها، فالعلم كذلك، له سطح خارجي وكذلك أعماق تحتاج إلى بقر إلى شق ، إلى نفوذ، فالإمام الباقر كذلك، هذه خاصيته. مع أن ظاهر العلم موجود لدى كل الناس، يستطيع الإنسان أن يقرأ القرآن ويرى ظاهر اللفظ، وظاهر المعنى. "قل هو الله أحد" كل الناس العرب عندما يقرأونها يفهمون ظاهرها، ولكن هذه الآية لها أعماق، لها دخوم تحتاج إلى من يأتي وينقب عنها، ويشقها ويزيل هذا السطح حتى ينفذ إلى تلك الأعماق.
الإمام الباقر كان هكذا يصنع، وسيتبين لنا – إن شاء الله – في البحث كيف أن الإمام الباقر ع بالفعل كان هكذا. كان العلم متاحا في ظاهره لعموم الناس، فقد انتشر الحديث في زمانه. حتى في مدرسة الخلفاء حيث كان الإتجاه الرسمي في الخلافة حتى زمن الإمام زين العابدين ع قد منع كتابة الحديث عن رسول الله ص وتداوله. وقد سمح بذلك وصدر قرار رسمي لذلك المنع في زمن عمر بن عبدالعزيز في حدود سنة ٩٨ هـ في أوائل إمامة الإمام الباقر ع .
فحتى هذا الحديث أيضا أتيح للناس والمحدثين، ولكنهم كانوا يدركون سطح العلم وظاهره، أما بطن وأعماق ذلك الحديث كان يحتاج لمن يبقر العلم بقرا، وكان هذا أبو جعفر، محمد بن علي الباقر ع. لذلك عرف في الوسط الإسلامي بالباقر. نعم ... هناك من أنكر – كعادته – كصاحب كتاب (منهاج السنة) ابن تيمية.. قال أن هذا الحديث وهذا الكلام عن سبب التسمية بالباقر، حديث ضعيف ولا أصل له، ولا يعرفه أهل العلم، وبالرجوع والقول بأن هذا الأمر كان من الاشتهار إلى درجة أنه حتى أعداء أهل البيت عليه السلام كانوا يقرون بذلك. هشام بن عبدالملك والي سيأتي في الحديث أنه كان وراء إيذاء الإمام الباقر والمسئول عن دس السم له عن طريق واليه.
لما دخل زيد بن علي بن الحسين (أخ الإمام الباقر) دخل إلى هشام بن عبدالملك بطلب منه ، واستجاب له – وأهل البيت عموما ليسوا دعاة تصعيد - وحضر من المدينة إلى دمشق. فحجب فترة طويلة، بعد وصوله إلى دار الخلافة، وينتظر من الصباح إلى الظهر فلا يؤذن له، وبقي على هذه الحالة أياما – مبالغة في الإيذاء – حتى أذن له، وأمر هشام الجالسين ألا يحترموه ولا يوسعوا له في المجلس. وقد جلس حيث انتهى به المجلس وجلس. فالتفت له هشام بكل وقاحة قائلا: "ماذا فعل أخوك البقرة" فقال زيد: لقد سماه رسول الله الباقر، وتسميه البقرة لشد ما اختلفتما" يعني بأن هذه ليست مخالفته الأولى لرسول الله.