رأيُ مدرسة الخلفاء :
على الرغم من ثبوت السنة النبوية (عند مدرسة الخلفاء ) في قصر الصلاة للمسافر ؛ من خلال قصر النبيّ صلاته في أسفاره المتعددة ؛ إلا أنّ جلَّ علماء ومذاهب مدرسة الصحابة لا يرون القصر إلزامًا ، بل يعدونه رخصةً يمكن الأخذ بها أو تركها .
خلفيات التخيير في قصر الصلاة عند مدرسة الخلفاء :
ثبتَ أنّ القصر في الصلاة للمسافر سنةً نبويةً ؛ مارسها النبيُّ – ص- ، ومن بعده الخليفة الأول والثاني .
أما الخليفة الثالث فمارسها شطرًا من خلافته ثم عدل عنها ؛ حيث يُذكر أنه عندما كان يذهب إلى الحجِّ كان يُتمّ في عرفات و في منى . وقد لاقى اعتراضات من قبل باقي الصحابة حول هذا لأمر .
وكون القصر في صلاة المسافرسنةً نبويةً - عدل عنها الخليفة الثالث بعد مدةٍ من خلافته - ؛ ينقله محدثو مدرسة الخلفاء أنفسهم .
ومن ذلك روايةٌ عن عبد الله ابن عمر في صحيح البخاري، أنه قال صليتُ مع النبي صلى الله عليه وآله بمنى ركعتين وكذلك صليت مع أبي بكر وعمر ، ومع عثمان صدراً من إمارته ( أي الفترة الأولى من إمارته) مقصورة ركعتين ، ثمّ أتمّ ( فيما بعد ذلك ) هذه الصلاة التي صليتها مع رسول الله ومع أبي بكر وعمر ومعه في صدر خلافته وإمارته وجعل الصلاة أربع ركعات.
ما الذي دعا الخليفة الثالث إلى التغيير والتبديل ؟!
لما كان فعلُ الخليفة مُخالفًا ؛ أصبح موضع إنكارٍ وتساؤلٍ من الصحابة ؛ فاحتاج – ذلك الفعل -إلى تبريرٍ وتوجيهٍ لنفي صفة المخالفة العمد عن صحابيٍّ في مكانة الخليفة الثالث عثمان بن عفّان ؛ خاصةً وأنّ رأي مدرسة الخلفاء في عمل الصحابي أنه حجةٌ .
ومن التبرير والتوجيه ما حكاه محمد بن شهاب الزهري - قاضي القضاة في زمان بني أمية- كما نُقل ذلك عنه في سنن أبي داوود ؛ حيث يقول أبو داوود ( عن الزهري ) أنّ عثمانَ إنّما صلّى في منى أربعًا لأنّه أجمع على الإقامة بعد الحج( أي أنّه نوى الإقامة بعد الحج عشرةَ أيام ) فأتمّ الصلاة.
والحقُّ أنّ هذا الرد غيرُ مقنعٍ مع تكرّر إتمام الصلاة من عثمانَ في السفر ؛ فليس متصوّرٌ أنّ كلّ أسفاره كانت نيته فيها مواصلة الإقامة .
وللزهري نفسُه توجيهٌ آخر لإتمام عثمانَ الصلاة في مِنى مفادُه أنّ الأعراب ( سكان البوادي ) كثُرَ عديدهم ( وهم مظنةُ ألا يفقهوا الأحكام الشرعية لسبب بعدهم عن حاضرة العلم ) وكان جمعٌ منهم في الحجِّ ؛ فأتمّ الخليفةُ عثمانُ الصلاةَ كيلا يتوهموا أنّ أصلَ صلاةِ الظهر ركعتين !
وهذا التوجيه غريبٌ جدًا وبعيدٌ عن الإقناع ؛ فمخالفة سنةِ النبيِّ لا تبرَّر بجهل بعض المسلمين بها . ثمّ إنّه غيرُ متصوَّر حتى من الأعراب جهلهم بعدد ركعات الصلاة في حال تمامها ؛ فيتمها الخليفة كيلا يظنوا أنها ركعتان في أصلها .
أمّا الفقهاء المتأخرون زمانًا من مدرسة الخلفاء فقد لجأوا إلى تأويلٍ تُعمَّم نتيجته على كلّ مكلّفٍ ؛ بدلاً من أنْ يكون توجيههم إعذارًا خاصًا للخليفة نفسه .
فقد حاولوا الجمع بين السنة النبوية الثابتة في قصر صلاة المسافر وبين إتمام الخليفة عثمان للصلاة الرباعية في منى ؛ بأنْ أفتوا بأنّ القصر رخصةٌ ومستحبٌّ يسعُ المكلَّف الأخذ بها ، كما يسعه تركها ؛ كما تركها الخليفة عثمان .
وهذا ما عليه المذاهب السنية الثلاثة المعاصرة ( الشافعية و المالكية والحنبلية ) ويكاد يكون مسلّمًا بين فقائهم .
أما الأحناف فيوافقون الإمامية في اعتبار القصر حال السفر أمرًا إلزاميّاً وواجبًا ؛ لايقوم مقامه الإتمام أبداً.
كلامٌ في قوله تعالى: (( ... فليس عليكم جُناح... )) .
المعنى اللغوي لكلمة : جُناح
الحرج أو الإثمُ والمعصية
فكأنما يكونُ ظاهرُ الكلام أنه لا إثمَ عليكم ، ولا معصيةَ إنْ قصرتم الصلاة في حال الخوف ( أو السفر ) .
ومن هنا قال قسمٌ من فقهاء مدرسة الخلافة أنّ الآية المباركة لا دلالة فيه على الإلزام لأنها تقول ( لاجُناح عليكم ).