وهنا مجموعةٌ من الروايات تفيد الإلزام في قصر صلاة المسافر من جهة ، وتفيد تعميم القصر في السفر حال الخوف أو عدمه :
١ ) جاء في مسند الإمام أحمد بن حنبل رواية عن يعلى ابن أبي أمية أنه قال سألت عمر بن الخطاب عن الآية المباركة :(ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) وقد أمن الناس اليوم ، فلماذا نلتزم بالقصر؟! ، فهو إنما قال ( إن خفتم الفتنة )والآن لا توجد الفتنة؟!
فقال لي عمر : عجبتُ مما عجبتَ منه ، فسألتُ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم - عن ذلك ، فقال (صدقةٌ تصدّق بها الله عليكم فاقبلوا صدقته) . أي أنه حتى لو كانت في الأصل لحال الخوف فإن الله قد أعطاكم عطية وتصدق بها عليكم وعمّمها لحال الأمن ، فلا يناسب أن ترد صدقة الله عز وجل.
هذا الجواب من رسول الله هو أيضاً منقول من طريق أهل البيت عليهم السلام في تبرير ذلك ، في أن المعنى من الآية ليس الاختيار بين القصر في صلاة المسافر أو إتمامها ، وإنما يجب القصر ، فيوجه المعنى من الآية بأن هذا إنما هو هديةٌ من الله ولايصحُّ ان تُرد هدية الله ، وصدقة من الله ولا يصح أيضاً أن ترد صدقة الله .
٢) جاء في سنن النسائي ، يقول قلتُ لعبد الله بن عمر : (( إنّا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن ولكن لا نجد صلاة السفر في القرآن )) .
فقال له ابن عمر : (( يا ابن أخي إنّ الله - عز وجل- بعث إلينا محمدًا - صلّى الله عليه وآله- ولا نعلم شيئًا وإنّما نفعل كما رأينا محمداً يفعل )) .
والمعنى أنّ النبيّ – ص- قصر الصلاة في السفر دون خوفٍ ونحن نتّبع سنته .
٣) ومن مصادر الإمامية .
روايةٌ عن الإمام الباقر - عليه السلام - أوردها الشيخ الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه. عن زرارة ابن أعين وعن محمد ابن مسلم ، قلنا لأبي جعفر ( أي الباقر عليه اليلام ) ما تقول في صلاة السفر؟ كيف هي ، وماهي ؟
فقال -عليه السلام - : إنّ الله - عز وجل - يقول : وإذا ضربتم في الأرض، فلا جُناح عليكم أنْ تقصروا من الصلاة .
فصار التقصير واجباً كوجوب التمام في الحضر .
فقلنا ( أي الراويان ) : (( إنّما قال الله عز وجل (فليس عليكم جناح ) ، ولم يقل أقصروا من الصلاة )) أوليس هي الرخصة ؟
فقال عليه السلام : ((إن الله - عز وجل - قال في الصفا والمروة (فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أنْ يطّوف بهما) . ))
أي أنْ التعبير في السعي بين الصفا والمروة ( فلا جُناح ) لم يفدْ الرخصة ، بل إنّ السعي بينهما واجبٌ ؛ وكذلك التعبير هنا بالنسبة لقصر
الصلاة يفيد الإلزام والوجوب – وتسانده سنة النبيِّ - ص- العملية .
حدُّ المسافة التي يقصر فيها المسافر :
على رأي الإمامية :
يقصر المسافر النازحُ من بلدته مقدار اثنين وعشرين كيلو مترًا ذهابًا ومثلها – بالطبع – إيابًا . فتكون كامل المسافة أربعًا وأربعين كيلو مترًا .
ويكون القصر في أيِّ سفرٍ مهما كان غرضه ، واستثني من ذلك سفران :
أولاً: سفر المعصية :
فالله قد أهدى للإنسان المسلم أنْ يقصر في الصلاة ، وليس للمعاند لربه والعاصي ؛ كمن يذهب الى بلدٍ آخر ليشرب الخمر أو ليوقعَ بين المؤمنين أو .. ، فهذا يجب عليه الإتمام ؛ لأنّه لا يستحق هدية الله .
ثانياً : سفر الصيد اللهوي :
ويقصد به صيدُ البرّ أو البحر لهدف اللهو والاستمتاع .
كمن تكون هذه هوايته ، وكذلك مَن يشتري - على سبيل المثال- صقراً بقيمةٍ باهضةٍ ثمّ يقطع مسافةً ليصطادَ به أرنبًا قيمته بضعُ ريالاتٍ ؛ فهذا لم يستهدف الصيد ليأكله أو ليتكسّب منه ، بل هدفه التسلية فقط .