هذه المنطقة وبنيت لهم بناء التوحيد –الكعبة- لماذا؟، ربنا ليقوم الصلاة وهذا التصريح لا يخص الصلاة فقط بل أمر الله نبيه إبراهيم وإسماعيل بأن يطهرّا البيت الحرام للطائفين والمعتكفين والركع السجود قال تعالى: (وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ )(٦)، هؤلاء المؤمنون بنبوة النبي إبراهيم سوف يطوفون البيت ويعكفون فيه ويركعون ويسجدون أيضا وهذه فيها إشارة إلى الصلاة. بقية الأنبياء أيضا إسحاق ، يعقوب، ارجع لسورة الأنبياء مثلا عندما يستعرض صورة من حياة الأنبياء يلخص الأمر فيما بعد ويقول: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)(٧)،ومع أنّ الصلاة في الواقع هي جزء من الخيرات فلماذا لم يكتف بذكر الخيرات فقط بل نص على ذكر الصلاة وعلى
إقامتها ؟
الصلاة والأنبياء
وردت كثير من الآيات التي تدلّل على موقع وأهمية الصلاة عند الأنبياء ،فالأنبياء إذاً كانوا يقيمون الصلاة وليس فقط يقيمونها بل يجعلونها قائمة مستقرة في المجتمع يدعون إليها ويوجّهون إليها ، وبقية الأنبياء كذلك مثلًا النبي زكريا وهذه الآية – التي هي موجودة عادة في أغلب محاريب المساجد، قال تعالى : (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ)(٨) ،فهنا تصريح بالمحراب من جهة وعلى الصلاة من جهة أخرى وأنّه كان يصلي في المحراب أيضًا.
وفي مريم أيضا كذلك فلقد أمرت أن تقنت لربها وتسجد وأن تركع مع الراكعين ،وإن كانت السيدة مريم ليست من الأنبياء ولكنها في نفس المرحلة الزمنية ، وكذلك بالنسبة إلى نبي الله عيسى إذ قال تعالى على لسان النبي عيسى بن مريم:( قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١))(٩)
يعني أنّي مأمور بالصلاة وسيأتي إشارة إلى هذا المعنى أنّه للأسف الآن الصلاة المعهودة ومنهم صلاة عيسى بن مريم غير حاضرة في الديانة المسيحية وإلا فإنّ عيسى بن مريم كما هو مذكور في سيرته يذهب إلى المعبد ويصلي ، وفي الليل كان يصلي - ربما هؤلاء الناس الذين يرون أنّ عيسى جزء من الإله أو أنّه ابن الله يرون أنّه لا حاجة له بهذه الصلاة- ، فإذا كان النبي عيسى مأمورًا بالصلاة ، وهكذا أيضًا في نبي الله داوود ( فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ)(١٠)، وفي قضية سليمان عندما أمر الجن بالقيام بإعمار مدينته فكانوا يعملون فيها ما يشاء من محاريب وتماثيل ، والمحاريب جمع محراب وهو المكان الذي يصلى فيه ولو أنّ بعض اللغويين قالوا بأنّ المحاريب تعني الأبنية ولكنّ القرآن يفسر بعضه بعضًا (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ)(١١) ، أي المحراب المعهود للصلاة، فعندما تأتي الآية تتحدّث عن قضية سليمان والجن (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ)(١٢)، فالمحراب هنا إشارة إلى تلك المحاريب المعهود ذكرها في القرآن الكريم .
النبي إسماعيل أيضا (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥))(١٣) ،فهذه الآيات الكثيرة التي أوردنا قسمًا منها وإلا فنحن لو أوردنا جمع الآيات التي تتحدّث عن صلاة الأنبياء والصلاة في القرآن الكريم في الأمم السابقة والأديان السابقة لطال بنا المقام ، ولكنّ الشاهد في أنّ الصلاة في غرضها وهو إظهار للخضوع والتذلّل بين يدي الله عز وجل والقيام بين يديه عز وجل بالإضافة إلى الركوع والسجود ، هذا المعنى كله هو المراد بالصلاة ، نعم قد تختلف الأذكار من نبي إلى نبي آخر والسور تختلف أيضًا من نبي لآخر ولكنّ الصورة العامة أو الهيكل العظمي للصلاة إن صحّ التعبير موجود في حياة الأنبياء وفي الأديان السماوية .