الاماام جعفر الصادق والقيادة الاجتماعية للمذهب

الاماام جعفر الصادق والقيادة الاجتماعية للمذهب
00:00 --:--

     في حديثٍ آخر ( لاتخاصموا الناس لدينكم فإن المخاصمة ممرضةٌ للقلب فإن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال له ربه ( إنك لا تهدي من أحببت )

     فهذا الوضع الذي كان يعيش فيه الإمام الصادق في تقديرنا لسبب أو لآخر كانت دعوة الأشخاص إلى المذهب تشكل عنصرًا من عناصر التشنج فمنعهم من ذلك وأمرهم أن يعيشوا حياةً اجتماعيةً طبيعية و(كونوا دعاةً لنا بغير ألسنتكم )

   وفي حديثٍ آخر ( كونوا دعاةً لنا صامتين )

   فلا أقل في فترة من فترات حياة الإمام الصادق كان الوضع هكذا ومع بعض الأشخاص أيضًا حتى منع بعض أصحابه من المناظرة حتى جاء رجل إلى مؤمن الطاق ورآه يناظر الناس في مسجد الكوفة ويظهر أن هذا في الفترة التي كان فيها الإمام في الكوفة لأن الإمام عليه السلام بقي سنتين متصلتين في الكوفة كما سيأتي الحديث بعد إذن فقال لمؤمن الطاق : أما بلغك عن أبي عبدالله أنه نهى الناس عن الكلام . فقال له : هل أمرك الإمام الصادق أن تقول لي هذا ؟ قال : لا ولكنه أمرنا . فقال له : فالتزم بما أمرك به . وفي رواية أخرى أنه الطيار وليس مؤمن الطاق . فذهب إلى الإمام الصادق وأخبره أنه ذهب إلى مؤمن الطاق بناءًا على الرواية الأولى أو الطيار بناءًا على الرواية الثانية فقلت له امتنع عن النقاش والمناظرات والاحتجاجات فما قبل مني ذلك . فقال له الإمام : بلى إنه يطير ويقص فيطير وأنت إن قصوك لا تطير . يعني أنت لا تمتلك كفاءة على المناقشة والمناظرة والنقاش .

    فهناك أوامر عامة وهناك بعض الأوامر لغير المتخصص فلا يعني أن الإمام عليه السلام لا يريد أن يأتي أحد إلى الهدى وإلى اليقين وإلى منهاج أهل البيت ولكن هناك بعض الظروف التي تقتضي مثل هذا الأمر .

     وهذا جعل أتباع المذهب وشيعة الإمام يتحركون بيسرٍ وسهولةٍ في داخل المجتمعات .

والنقطة الثالثة :علاقته مع السلطات السياسية :

   فالإمام عليه السلام فترة إمامته الأكثر كانت في زمن الأمويين ففترة إمامته كانت ٣٤ منها ١٦ في زمن العباسيين و١٨ سنة أو تزيد قليلًا في زمن بني أمية والتي كانت في طريقها إلى الأفول والنهاية والانقراض وهذا ما مكن الإمام عليه السلام من ممارسة دوره من دون رقابةٍ مباشرةٍ ولصيقة ، لكن في زمن العباسيين تغير الأمر ، ففي بداية سيطرتهم على الحكم طلبوا الإمام الصادق عليه السلام من المدينة إلى الكوفة وفي ذلك الوقت كان العباسيون يفكرون أن يجعلوا الحيرة عاصمةً لهم وكانت الحيرة على بعد أربعة إلى خمسة كيلو من الكوفة وذلك قبل إنشاء بغداد فطلب الإمام الصادق عليه السلام ليكون قريبًا منهم في زمان أبو العباس السفاح أول خلفاء بني العباس حتى يكون تحت رقابتهم وملاحظتهم .

     وبقي الإمام الصادق عليه السلام سنتين في الكوفة قيل في حي بني عبد القيس وهناك صارت له فرصة زيارة أمير المؤمنين مرارًا وكذلك قبر الإمام الحسين مرارً وأيضًا في تلك الفترة استفاد من وجوده في الكوفة في التدريس وما أخذ من الإمام من علمٍ من الرواة الكوفيين غالبًا كان في هذه الفترة .

وكان تحت الرقابة وكان يستدعى بين فترةٍ وأخرى في قصر الحيرة وكان السفاح إلى حدٍ ما ألين من المنصور العباسي الذي أتى فيما بعد والذي في زمانه اشتد الأمر على الإمام عليه السلام مع أن الإمام لم يظهر منه أي شيءٍ يشير إلى معارضةٍ صريحةٍ وواضحة للعباسيين وبالذات لأبي جعفر المنصور ، بل عرض عليه من قبل أبي سلمة الخلال أحد كبار الدعاة ومن أبي مسلم الخراساني أول انتصار الدعوة وأول انهزام الأمويين عرض عليه من قبل هذين القائدين أبي سلمة القائد العربي وأبو مسلم الخراساني القائد الفارسي للدعوة التي عرفت فيما بعد باسم الدعوة الفارسية (أنه نحن نهضنا إلى الرضا من آل محمد وأنت المرضي من آل محمد ) يعني أنت أكبر شخصية من آل بيت رسول الله نحن مستعدين لتسليمك الأمور . فكان جوابه لهما بلسان الحال : ما أنت من رجالي ولا الزمان زماني . وبعضهم يقول ربما هذا كان أيضًا دسيسة من قبل العباسيين ليروا الإمام الصادق ويضبطوه بالجرم المشهود ، وبعضهم يقول هو تصرف من قبل أبي سلمة الخلال الداعي العربي ومن قبل أبي مسلم الخراساني الداعي الفارسي . والإمام الصادق عليه السلام كان أكثر ذكاءً وحكمةً منهما وممن خلفهما ولم يلتفت إلى هذا العرض ولم يقبله منهما وأعرب عن انصرافه عن هذا الأمر ومع ذلك المنصور العباسي كان شديد الحنق على الإمام الصادق ، فالمنصور كان عنده نقاط ضعف كثيرة جدًا بعضها هو أخبر عنها فقال : إن هؤلاء الناس بالأمس رأونا سوقة والآن يرونا خلفاء . فلا قيمة علمية عندنا ولا قيمة نسبية ولا أي قيمة واضحة بين الناس والآن يروننا خلفاء فلسنا نتمكن إلا أن نفرض هيمتنا بالسلطات – بالقوة بالسجن بالاعتقال إلى غير ذلك - هذا في مقابل أن للإمام الصادق عليه السلام مجدٌ عظيمٌ ،فجده رسول الله صلى الله عليه وآله وأبوه أمير المؤمنين عليه السلام ورقي وارتفاع شخصي عنده ، فهو عالم وصفه أبو حنيفة لأبي جعفر المنصور أنه : أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس . فالذي يعرف جميع المذاهب ويعرف كيف يجيب عليها هو أعلم الناس وهو جعفر بن محمد فهو قد حاز المجدين مجد شخصي ومجد عائلي وأسري . فمن الطبيعي أن لا يستطيع المنصور أن يتحمل وجود الإمام الصادق بالرغم من أن الإمام كما أسلفنا كان منصرفًا عن معارضته وكان يرى أن قيامه بدوره في تركيز وترسيخ أسس المذهب ثم صنع المجتمع التابع لأهل البيت وجعله مجتمع طبيعي في الأمة . مهمته هذه عنده أهم من أن ينازع المنصور العباسي على سلطة أو على توقيع أو على مرسوم أو ما شابه ذلك . لكن مع ذلك كان توجس المنصور توجسًا عظيمًا جدًا منه وكان باستمرار يفكر في التخلص من الإمام جعفر سلام الله عليه . ولقد أحصي عليه مرارًا أنه كان يتهدد الإمام لا سيما مع عناصر السوء الذين كانوا يرفعون له الأكاذيب والتقارير الكيدية التي من خلالها يريدون الإضرار بالإمام الصادق .

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة