فحاجبه الربيع أكثر من مرة ينقل عنه فيقول : دخلت على المنصور ذات يوم فوجدته غاضبًا وهو يقسم بالله أنه ليقتلن جعفر بن محمد فيقول : والله لأقتلنه والله لأقتلنه والله لأقتلنه . فحاولت التكلم معه ، فقال لي : يا ربيع نحن ذاهبون للحج فأذكرني أمر جعفر إذا وصلنا إلى المدينة وإياك إياك أن تنسى فإني معاقبك . يقول الربيع: بالفعل ذهبنا إلى المدينة في حديثٍ مفصل قلت له أذكرك أمر جعفر فقال : نعم اذهب وأحضره إلي على أسوء حالة يكون فيها (ليس من الكبر والعظمة أن تأتي برجل حاسر الرأس وهذا يبين مدى صغارi وخسته ودناءته وضعفه فالذي يتشفى يتبين أن نفسه ناقصة وقلبه حاقد وهذه نقاط ضعف وليست قوة )
يقول الربيع: ذهبت وأحضرت جعفر بن محمد على حالةٍ يصعب على مثلي أن يصفها في حق إمامنا فلما دخل وكان حاسر الرأس وحافي القدمين رأيته يحرك شفتيه بكلمات فلما أقبل عليه وواجهه أبو جعفر المنصور هدأت نفسه ، فقال : إلي إلي يا جعفر فأدناه حتى أجلسه إلى جانبه ، هنا يقول الربيع : فتعجبت أين ذهب ذلك الحلف والحنق والغضب . فوضع الإمام يده على فخذ المنصور العباسي ، فقال له : حدثني بحديث فحدثه بحديث قال : إن الرحم إذا مست الرحم هدأت وإن أيوب قد ابتلي فصبر وإن داوود قد أعطي فشكر ولك بأولئك أسوةٌ حسنة.
كأنه أراد من خلال هذا الحديث أن يطفئ غضبه وهذا موقف طبيعي أن يكون الإمام حريص على ألا يفقد حياته من أجل زلة لسان . يقول الربيع بعد ذلك أقبل عليه المنصور فقال له : يا جعفر ما حاجتك ؟ وكم عندك من العيال ؟ فأخبره وقام الإمام عليه السلام خارجًا . يقول الربيع : تبعت جعفر بن محمد وقلت له كان من أمره كذا وكذا وكان سالا سيفه ليقتلك فما الذي قرأت وما الذي تحركت به شفتاك عندما دخلت ؟ قال : دعاءٌ أعرفه . قلت له : بحق الله عليك إلا أخبرتني به . (والإمام عليه السلام لا يقول أنت واحد من أعوان الظلمة وأنت جئتني لهذا المكان بتلك الكيفية ، لا ، فهؤلاء رحمة للعالمين )
فقال له الإمام : إذا نابك من أمر السلطان ما يحزنك فقل حسبي الرب من المربوبين ، حسبي الخالق من المخلوقين ، حسبي الرازق من المرزوقين حسبي الله رب العالمين حسبي من هوحسبي ، حسبي من لم يزل حسبي ، حسبي مذ كنت لم يزل حسبي ، حسبي الله لا إله إلا هو، حسبي الله رب العرش العظيم )
هذا الدعاء قرأه الإمام قبل دخوله على المنصور ولا شك أنه يختلف القارئ ، فمجرد هذا الدعاء لا يفعل فعله إلا إذا خرج من قلبٍ محتسبٍ عند الله سبحانه وتعالى وهوتعليمٌ لنا في قضايانا وفي أمورنا ومشاكلنا وكروبنا وفي حاجاتنا ألا نحتسب إلا الله تعالى .
فخرج الإمام وفي مرات أخر أيضًا استدعاه وكانت المواجهة سيئة وكان قد عزم اللعين المنصور على التخلص من الإمام عليه السلام ففي المرة السابقة لم يقتله أما المرة الثانية حتى أدنا النطع ( والنطع عبارة عن جلد إذا أريد أن يقتل شخص في نفس المكان يبسطوه إلى جنبه ) فكان قد جهز هذا النطع ولكن إرادة الله عز وجل ودعاء الإمام عليه السلام وقدر الله لم يحن بعد فنجا الإمام عليه السلام لكن لم ينجو في المرة الثالثة عندما أرسل المنصور الدوانيقي سمًا نقيعًا إلى والي المدينة محمد بن سليمان وقال له أن يدعو الإمام إلى ديوانه ومجلسه وأن يدس له هذا السم فكان أن دس له هذا اللعين والي المدينة بأمر سيده المنصور ما الذي سيكونان مسؤولين عنه أمام الله وأمام رسوله فيما ارتكبا في ذريته فدس ذلك اللعين إلى إمامنا سمًا في عنب ولما تناول الإمام ذلك العنب المسموم سرى السم في بدنه.