الإمام الصادق والقيادة الاجتماعية للمذهب
كتابة الأخت الفاضلة ليلى الشافعي
حياة الإمام الصادق عليه السلام حياة حافلة بالأدوار والأعمال ومليئةٍ بالمناقب ، وفترة إمامته تعد من أطول فترات إمامة المعصومين عليهم السلام . فقد امتدت فترة إمامته ٣٤ سنة وهي من الفترات القليلة التي تيسرت للمعصومين عليهم السلام كي يمارسوا أدوار الإمامة خلال هذه المدة الطويلة ، لذلك يعسر علينا أن نتعرض لكل جوانب حياته .
فإن من الممكن أن يتحدث الإنسان عن دور الإمام الصادق عليه السلام في ترسيخ أسس المذهب وتكميل قواعده سواء في جانب العقائد والأصول أو في جانب الفقه والفروع أو في جانب الأخلاق والسلوك وهذا الأمر قام به الإمام عليه السلام حتى صار هذا المذهب في زمانه وبعد زمانه في أكمل صورةٍ من الصور . ولقد تناول هذا الجانب المرحوم العلامة الشيخ أسد حيدر - رضوان الله تعالى عليه - في كتابه -الإمام الصادق والمذاهب الأربعة – تناول هذا الجانب فأجاد وأتقن ، ولو أن إنسانًا أراد أن يتعرف على البيئة الثقافية والفكرية التي عاش فيها الإمام الصادق عليه السلام وعلى أدواره في تلك البيئة وعلى تأثيراته في أئمة المذاهب وفي الساحة الإسلامية فإن هذا الكتاب القيم والمتقن يمكن أن يكون مرجعًا مناسبًا لمن أراد الاطلاع على هذا الجانب .
سبب نسبة المذهب للإمام الصادق :.
هذا جانب من الجوانب وهو دور الإمام الصادق في بلورة المذهب الشيعي الاثني عشري في كافة جهاته وفي أبعاده المختلفة . وليس غريبًا بعد ذلك لما قام به الإمام في هذا الجانب أن ينسب المذهب إليه فيقال المذهب الجعفري فلا يقال مثلًا المذهب العلوي مع أننا نعتقد أن أمير المؤمنين عليه السلام هو سيد الأئمة ووالدهم وأفضلهم ولكن لا ينسب إليه في الاصطلاح ، ونعلم أن الإمام الحسين عليه السلام بما قام به من تضحية وشهادةٍ عظيمةٍ أنقذت كل الإسلام وكرست الاتجاه الصحيح فيه ومع ذلك لم يجرِ العرف على نسبة المذهب إليه فلا يقال المذهب الشيعي الحسيني ولكن ينسب للإمام الصادق عليه السلام فيقال المذهب الجعفري ويعبر عن الشيعة بالجعفرية وفي هذا إشارة إلى دور الإمام عليه السلام في هذا الجانب .
أدوار الإمام الصادق في ترسيخ المذهب :
ا- هناك جهةُ أخرى لا تقل أهميةً عن هذا الجانب وهي أعمال وأدوار الإمام الصادق عليه السلام التي قام بها بحيث تحول أتباع هذا المذهب من فئةٍ قليلة مطاردة ومحصورة إلى تيار عريض وواسع في الأمة . وقد سلك إمامنا الصادق عليه السلام في هذا الجانب أدوارًا شديدة التعقيد ولكن خرج منها بكفاءةٍ عالية جعلت هذا المذهب يتخطى كل العقبات التي كانت في زمان الإمام وما بعد زمانه ، سواء تلك العقبات الاجتماعية أو الرسمية السياسية التي كانت تقوم بها سلطات ذلك الوقت .
سيكون لنا شيء من الحديث في هذا الجانب لأجل أنه يرتبط بنحوٍ من الأنحاء بسلوكنا في هذه الأزمنة وما يترتب علينا القيام به لذلك سوف نتعرض إلى هذا الجانب .
١/ وصايا الإمام الفردية والجماعية
أولى الخطوات التي نعتقد أن الإمام قام بها من خلال وصاياه الكثيرة لشيعته ويلحظ هنا أن الإمام الصادق عليه السلام كان كثير الوصايا ، وصايا فردية لأشخاص متعددين تارةً لعبدالله بن جندب وأخرى لعلي بن النعمان وثالثة للمفضل ورابعة للفضيل بن يسار وخامسة وسادسة تشكل شيء أشبه بالاتجاه والخط العام الذي ينبغي أن يسلكه أتباع أهل البيت عليهم السلام . وأخرى عندنا وصايا جماعية وهذا لا نجده في غير حياة الإمام الصادق عليه السلام فإنهم ينقلون أنه كتب وصيةًً لشيعته وصية جماعية عامة وتوجيه اجتماعي لكل الشيعة وأمرهم بتدارسها والنظر فيها وتعاهدها فكانوا يضعونها في مساجد بيوتهم حتى إذا فرغوا من الصلاة نظروا فيها . فكما عندنا الآن أن العادة الجارية للناس عندما يصلون يقرؤون شيئًا من التعقيبات والأدعية كتسبيحة الزهراء عليها السلام وبعض الأدعية التي تعتبر من التعقيبات ، في ذلك الوقت في زمان الإمام الصادق عليه السلام يستفاد من هذه الرواية أن الإمام عليه السلام أعطاهم وصيةً –لاتزال موجودة إلى الآن بنصها – في طليعتها هذا التعبير ( عليكم بالدعة والوقار والسكينة وعليكم بالحياء والتنزه عما تنزه عنه الصالحون من قبلكم وعليكم بمجاملة أهل الباطل تحملوا الضيم منهم وإياكم ومماظتهم ) وهي دعوة إلى التحمل والصبر وعدم إعطاء الفرصة لأهل الباطل على استفزازكم وإبعادكم عن مساركم الطبيعي كأن يأتي شخص لآخر ويسمعه كلمات يستثيره بها ويجعله يمشي على غير ما كان يفكر ، فالإمام يوصيهم بأن يكونوا في الطرف الهادئ الوقر صاحب السكينة والتفكير والوعي ، جاملوا أهل الباطل فلا داعي لمواجهتهم ومماظتهم ثم يقول : ( وعليكم أن تسلكوا معهم فإنه لا بد لكم من مخالطتهم ،عليكم أن تسلكوا معهم بالتقية التي أمرتم بها )