التنمر مظهر الحقد ٣٣

التنمر مظهر الحقد ٣٣
00:00 --:--

لا ينبغي أن نلقن أبناءنا حتى بغير التعمد: أن ممارسة الحقد والتشفي، وممارسة التنمر والاعتداء على الآخرين، صحيحة وسليمة. بل ينبغي أن نخطِّئ هذا العمل، وأن لا نقبله، سواء فعله الابن، أم فعله شخص آخر غيره. فذلك من البيئة التي تشجع هذه الحالة عند الطفل.

العنف الأسري، نفسه أيضا. هو من البيئة التي ينشأ فيها مثل هذا الأمر. فإذا رأى داخل المنزل الأصوات العالية هي التي تؤثر، القوة البدنية هي التي يستجاب لها، الإرغام هو الذي ينفع، فالأب يرغم الأم، والأخ الأكبر يرغم الأخت، والأخ الأكبر يرغم الأخ الأصغر، فهذا يصبح عنده مثل نمط في الحياة، ونهج: أنه الإنسان إذا أراد أن يحقق أهدافه، فإن عليه أن يرغم من هو أقل منه، وأن يكبت من هو أضعف منه، وأن يسحق منه هو أقل منه. والمشكلة أن هذا – كما سيأتي بعد قليل – لا يكتفي بالأمر داخل بيته، وإنما أحيانا يسحبه إلى الخارج، فيصبح منهاج حياة له. وهذا من البيئات الفاسدة التي تنتج مثل هذا الأمر.

من ذلك أيضا، بيئة الألعاب الإلكترونية. نبهنا أكثر من مرة، ونظل ننبه، وما نظن أن كل هذا التنبيه هو كاف، إلى أن الألعاب الإلكترونية خطرة إلى درجة غير محدودة. فأنت لاحظ، أن الطفل عنده شحنة، عنده طاقة، فترى عادة المفردات التي تدور في هذه الألعاب، هي مفردات: اسحق جمجمته، اقتله، مزقه. وهذه الحالة من التهديم والتحطيم والسحق والقوة الجبروتية، والتي هي على الشاشة فقط، تجعل هذا الإنسان الذي يلعب بطلا افتراضيا، لكن بطولته في أين؟ ليست مثلا في أنه يحل الألغاز، وليست في أنه متفوق في المعرفة، وليست في أنه صاحب أفكار مبتكرة، وإنما في أن يحطم الخصم، أن يسحق، أن يقتل، أن يؤذي. وهذه مشكلتها - كما ذكرت، قبل قليل – أنه: أحيانا الطفل لا يفهم الفاصلة بين ما هو على الشاشة وبين ما هو في الخارج، فتتمكن منه هذه الحالة: حالة التحطيم، والسحق، والقتل، حتى بعض الألفاظ، فأطفالنا أبناء الست سنوات، إلى ١٣، ١٤ سنة، يقولون بعض الألفاظ التي لم يسمعوها قطعا إلا من خلال هذه الألعاب الإلكترونية. فكلها من هذه الثقافة: ثقافة إفراغ الحقد، حالة التنمر الشديد، تحطيم الخصم. فإذا نقلها إلى الخارج، وتمكنت فيه إلى أن صار شابا، ورأى أن هذه فلسفة حياة، فيوما من الأيام، يرى أنه لما صف خصمه أمامه، انفتحت أمامه أبواب، فتبين أنه نعم، هذه هي الطريقة الصحيحة في الحياة.

لا، هناك طريقة أخرى، وهي: أهذا أمر يجوز شرعا، أم لا يجوز شرعا؟ يصح عقلا، أم لا يصح عقلا؟ هذه كلها ينبغي أن نلفت إليها الانتباه. هذا أمر. والأمر الثالث: ما يرتبط بأثر الإعلام. فالإعلام الموجود في بلادنا المسلمة إعلام سيء في كثير من الأحيان. ويظهر المعتدي بمظهر البطل. فالآن: برامج المصارعة، الملاكمة، الكذا، كلما زادت قسوة وشدة، تحصل على تشجيع، وجوائز وتشويق، وما شابه ذلك.

تقديم هذا كنموذج للبطولة، من قبل الإعلام، من قبل التلفزيون، من قبل كذا، هذا أمر ليس بصحيح. "أَلْأَمُ الخُلُقِ الحِقْدُ"، أشد العيوب الحقد. قلب الحقود ليس في راحة أبدا. فينبغي أن نصنع في قلوب أبنائنا وإخواننا، ومن نؤثر فيهم، عوامل الحب، الحب للآخرين، ليس فقط لأبناء عمه، وأبناء خاله، وإنما الحب لكل أحد من الناس، وألا يحقد على أحد منهم. بل بالعكس، إذا رأيت إنسانا لديهه ميزة تميزه في علم أو عمل أو شخصية أو غير ذلك، أحبب فيه ذلك الأمر. ولا تجعل مقاساتك: هكذا أو هكذا. أحقد عليه أم لا.

لنبعِد عن أبنائنا ومجتمعنا هذه الحالة من التحاقد، من التنمر، من المواجهة، من العنف، فهذا فيه خير كبير لمجتمعنا. فإن الحقد - كما في الخبر المروي عن أمير المؤمنين - هو من طبائع الأشرار، وأن الحقود معذب النفس، متضاعف الهم، وأن قلبه أشد القلوب غلا. قلبه كدر، هو قلب الحقود.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٤

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة