وبالنسبة إليه، وأحيانا قد يتطور إلى الشيء البدني. فيمر عليه - مثلا - ويدفره من دون مبرر. ذاك يمشي بسرعة، فيجعل رجله أمامه؛ ليتعثر ويقع على وجهه. قد يلكمه بلا مبرر، يضربه بلا سبب، هذه كلها تشير إلى مخزون من الحقد في داخل نفسه، يظهرها في هذه الصورة اللفظية، أو تلك الصورة البدنية. وهذا الأمر موجود في المدارس.
أحيانا حتى في العوائل يحدث هذا. في العائلة، في الأسرة، شخص إما لأنه أقوى بدنا، أو أكبر شخصية، أو لأنه كذا، يريد أن يسحق من هو دونه. فلا يجعل كلمة عند واحد البتة. فلو نفترض أن أحدهم قال كلمة الحق، فهو يظل جاعلا ذلك في باله إلى أن يحطمه ويسحقه.
إذن، هذه المشكلة، تحول الحقد - وهو ألأم الخلق، كما ذكرنا عن أمير المؤمنين (ع) - من حالة قلبية داخلية إلى حالة خارجية، في صورة ألفاظ، في صورة شتائم، في صورة سخرية، في سورة أن يبتدع عليه اسما مهينا، أو في صورة اعتداء بدني وما شابهه. وهذا يعبرون عنه في العلوم التربوية والدراسات، بعنوان: التنمر.
وبشكل أخص يتحدثون عنه في المدارس؛ نظرا لأن المدارس هي مجتمع يومي لمجموعة كبيرة من الشباب والأحداث الذين قد يكون بعضهم في مجال المنافسة الشريفة الاعتيادية بكثرة المذاكرة والتغالب في هذا الجانب. وقد يكون بعضهم في مجال المنافسة بهذا المعنى، بأن يريد أن يحطم شخصا أو أشخاصا بهذه الأساليب، وعلى هذه الخلفية.
فهذه القضية ينبغي أن نتنبه لها؛ لأنه من الممكن أن ابني يكون هكذا، متنمرا على غيره في المدرسة، ومن الممكن أن أكون - لا سمح الله - في العمل متنمرا على من هم تحت يدي، فأحاول أن أسحق شخصياتهم وأن أهددهم بين فترة وأخرى، فإذا يسل كلمة – حسب التعبير – كذا وكذا أصنع فيه. أو أريده أن يفعل هذا ولا يعترض، فإذا اعترض، أزيد عليه العقوبة، وأريد أن أمحي شخصيته في هذه الصورة.
فإذن هي مشكلة من المشاكل، قد تكون موجودة في المدرسة، قد تكون موجودة في العائلة، قد تكون موجودة في العمل، قد تكون موجودة في الفضاء العام: السياسي أو الدولي، وهذا مما يجعل هذه القضية خطرة.
هذه المشكلة تحتاج إلى بيئة. لا تبرز هكذا مثل الفطر. وإنما تحتاج إلى بيئة. فلو أننا عالجنا البيئة التي تنشأ فيها هذه الحالات من ممارسة الحقد اللفظي، من ممارسة الحقد العملي، مما يسمى بالتنمر. لأمكن لنا أن نخفف من آثارها. وأنا هنا بشكل خاص أركز على الموضوع المدرسي، والعائلي؛ نظرا لأن من يسمع كثيرا منهم، إما هم آباء، وإما هم مدرسون، وإما عنده طالب يقع عليه التنمر، أو ذاك عنده طالب هو التنمر.
لذلك نحتاج إلى الحديث في هذا الموضوع؛ نظرا لقربه منا. فالأمر الأول: ما يرتبط ببيئة الحقد والتنمر في داخل الأسرة. فهناك تلقين يحصل في بعض الأسر. هذا التلقين، إذا لم يلتفت إليه الأبوان، يصنع نفسية حاقدة، نفسية معتدية، نفسية متنمرة. عندما ينقل لي مثلا، من قبل ابني الطالب، أنه لنفترض في الصف، جاء فلان وجمع جماعة على فلان، وضربوا ذلك ضربا شديدا؛ لأنه مثلا: هذا عدوي. فإذا قلت له: نعم ما صنعوا، جيد هذا الذي فعلوه، ففي هذه الحالة، أكون أنا ألقن ابني: أن هذا كأسلوب، أسلوب حسن. لكن إذا قلت له: ذاك أخطأ عندما اعتدى عليك، لكن نفس هذا العمل أيضا: أن أحدا يجمع جماعة، ليؤذوا ذاك ويضربونه ويشتمونه، وما يصنعون به كذا، هو أيضا خطأ. فالصحيح هو أن ترفع القضية إلى الإدارة أو أن يتحدث الآباء فيها.
ومن الطبيعي أن الطلاب يحبون من ينتقم لهم، ومن الطبيعي أن يحبوا من يكون قويا. لكن إذا استخدم هذا في الاعتداء، وفي إظهار ما كان لديه من منبهات نفسية للسيطرة، للإرهاب، لإرعاب للآخرين، لسحق شخصياتهم، فينبغي أن يقال للابن في البيت: هذا عمل خاطئ، وشيء غير صحيح، ولا يجوز من الناحية الشرعية.