التنمر مظهر الحقد
كتابة الأخت الفاضلة أمجاد عبد العال
من كلمات مولانا أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، أنه قال: "أَلْأَمُ الخُلُقِ الحِقْدُ"، وقال أيضا: "الحِقْدُ مِنْ طَبَائِعِ الأَشْرَارِ"، وفي وصف الإنسان الحقود، والقلب الحاقد، قال صلوات الله وسلامه عليه، كما نقل عنه: "الحَقُودُ مُعَذَّبُ النَّفْسِ، مُتَضَاعِفُ الهَمِّ، وَأَشَدُّ القُلُوبِ غِلًّا قَلْبُ الحَقُودِ"، ثم لكي يبين أنه لا شيء يستحق في هذه الدنيا أن يتحاقد لأجله، وأن يحقد بعض على بعض، يقول، كما نقل عنه في كلماته (ع): "الدُّنْيَا أَصْغَرُ وَأَحْقَرُ وَأَنْزَرُ مِنْ أَنْ تُطَاعَ فِيهَا الأَحْقَادُ"، الدنيا أصغر من أن يستسلم الإنسان فيها للحقد على شيء، على شخص آخر، على مجموعة أخرى، لكي يشفي غل نفسه وحقد قلبه. لا تستحق الدنيا بكلها هذا الأمر.
ننطلق من هذه الكلمات النوارنية، التي تنقل عن امير المؤمنين (ع) لكي نواصل الحديث في أحد الأمراض الأخلاقية، التي عبر عنها أمير المؤمنين (ع)، بأنها خلق لئيم. بل ألأم الخلق، وهو: الحقد. حقد الإنسان على غيره، وانجرار ذلك الحقد إلى شيء، إلى عمل، إلى فعل، سواء باللسان أو اليد، أو الجاه، أو ما شابه ذلك. لإيذاء المحقود عليه والتشفي منه.
وهذا الأمر – أي الحقد – وتحريكه لبعض الناس من الخطورة بمكان. فإننا نجد - مثلا - في عالم السياسة آثارا لهذا الحقد. ونلاحظ – مثلا - آثار الحقد في جرائم الحرب التي تسمى. ونجدها في الإبادات الجماعة، أن شخصا أو فئة يريد أن يستأصل فئة أخرى، قومية من القوميات، مذهبا من المذاهب، دينا من الأديان، من خلال إبادة جماعية لأتباعه أو المنتمين إليه. مع أن كثيرا منهم قد لا يعلمون ما الخبر، ولا ما هي القصة، ولماذا هذا النزاع، ومن الذي ساقهم إليه، وماذا يقول هذا، وماذا يقول ذاك، لكنهم يصبحون طحين هذا الحقد، من شخص أو من مجموعة.
فقد تجده في السياسة، وقد تجده على مستوى أقل، في داخل العمل. وذلك عندما يتقصد شخص - لا سيما إذا كان نافذا – شخصا أو أشخاصا فيمنع عنهم الرزق، ويحول بينهم وبين الترقية، ويصطنع المعكرات لإلغائهم من العمل، لتطفيشهم، بل لإقالتهم. لا لشيء، لا، لأنه يخسر شيئا، فالمال لا يخرج من جيبه. لكنه هو مستسلم هنا لحالة حقد تجاه هؤلاء الأشخاص، أو تجاه قوميتهم، أو تجاه بلدهم، أو تجاه دينهم، أو تجاه مذهبهم، فيستأصلهم.
فقد تجده في العمل. وقد تجده أحيانا في مستوى أدنى. وهذا الحقد يتجلى فيما يسمى في بعض تعبيرات اليوم بالتنمر في المدارس. التنمر في المدارس، بدءا من الابتدائية، إلى المتوسطة، إلى الثانوية، وأحيانا حتى بالنسبة إلى بعض الجامعات، من المشاكل التي يتحدث عنها التربويون وعلماء الاجتماع.
والتنمر مأخوذ من اسم النمر، الذي عادة ما يزأر في وجه الشخص، يفترسه، يكسر عظامه، فيأكل هذه الفريسة ويهاجمها. فقد يتحول إنسان بفعل الحقد إلى حالة متوحشة من هذا القبيل. والكثير منهم – من التربويين – ينبهون على وجودها بالذات في المدارس. فيظهر هذا في مظاهر، منها: المظهر اللفظي. عندما يأتي شخص يمتلك هذه الحالة، لديه مخزون حقد لأسباب مختلفة من هذا الشخص. وقد يكون ذلك؛ لأنه متفوق عليه في الدراسة، وقد يكون؛ لأنه أكثر وسامة منه، وقد يكون؛ لأنه محبوب من قبل المدرسين. وقد يكون؛ لأنه من هذه القرية أو تلك. فالحقد لا يعرف أسبابا معقولة، هو شيء خارج الموازين، خارج الطبيعة، خارج التعادل، فلا يحتاج إلى سبب واضح.
يكفي في أن هذا جاء قبله اليوم إلى المدرسة، وهو سبب ليس معقولا للحقد. لكن عند الحاقد، عند المتنمر، عند هذه الشخصية غير المتعادلة، سبب كاف. يكفي أن تكون درجته أكثر منه، درجة ذاك الشخص أكثر من هذا. هو هذا المتنمر أو الحاقد جلس سهرانا في اللعب والعبث وذاك سهر على الدرس والعلم، وأخذ نتيجته. فكيف يأخذ هذا أعلى منه؟! يكفي أن المدرس – مثلا - يجعل اسمه في الأوائل، في المتفوقين، يكفي أن يشير إلى أن دفتره نظيف ومرتب. هذه كلها، وغيرها من الأسباب التي هي بالنسبة إلى هذا الإنسان الحاقد أو المتنمر كافية - في رأيه - لكي يمارس تجاهه مظاهر من الحقد اللفظي بأن يشتمه - مثلا - بلا مبرر، بأن يبتدع له اسما يعلق عليه فيه، سخرية. بأن يثير الضحك عليه، بأن يسب أباه، بأن يتهمه بشيء، بأن يتكلم عنه بكلام كاذب، بأن ينكت عليه، يجلسه في مكان، وينكت عليه حتى يضحك من حضر.