لماذا يظلمون غيرهم ؟ ٢٧

لماذا يظلمون غيرهم ؟ ٢٧
00:00 --:--

ولعل قائلا يقول، وننهي به الحديث: إذا كان كذا، فلماذا لا نرى انتقام الله للمظلوم من ظالمه؟ أي: إذا كان بهذه السرعة، وإذا كان الله يستجيب، ولا يؤخر صاحب الحق، فلماذا لا نرى هذا؟ فنحن نرى المظلومين. فلان مظلوم، مع ذلك لا أثر للانتصار؟ وهناك أجوبة كثيرة، لكن نكتفي ببعضها.

واحد: ما يدريك أن الله لم ينتقم من الظالم. نعم، أنت تراه أمامك، لكن هل ذهبت له وقت النوم، ورأيت كيف هي نومته؟ أنت تعود من العمل، ولو تجعل رأسك على صخرة ستنام من أعماقك، نوما هانئا ومستقرا. وكم من الأحلام سترى؟ وربما احتجت أن تقوم لتغتسل بعد النوم الثقيل، الهانئ، الهادئ. لكن البعض لا يلحق أن يجعل رأسه على هذا الفراش أحيانا، ومثلك، حتى إذا على حجرة جعل رأسه، ستراه يرد السلام وهو قد نام تلك النومة الهانئة.

وذاك الظالم يتقلب يمينا وشمالا. يأخذ من تلك الحبوب المهدئة، والمنومة، والمسكنة، والبعض منهم يشرب حتى الثمالة، يريد فقط لهذا الجفن ينطبق على ذاك الجفن، لكن لا فائدة.

انظر لعينه الصباح، يقوم وهي منتفخة، ونفسه مضطربة، وداخله معذب، وجدانه ملوث. فالشيء الذي نقلوه، لا ينقله الظلمة، بل القريبون منهم، وهؤلاء ليس من مصلحتهم أن ينقلوه. ولا الظالم أن يقول: أنا بسبب ظلمي البارحة لم أستطع أن أنام.

لكن الشيء الذي تسرب منه، ولو بهذا المقدار البسيط، ما تسرب – مثلا - عن الحجاج بن يوسف الثقفي لما قتل ما قتل، وأخيرا قتل سعيد بن الجبير، هذا الفقيه، العالمي، الموالي لأهل البيت (ع). يقولون: ظل وراءه لشهرين! أي لشهرين وهو في دورة عذاب مفصلة وقت النوم. أول ما يبدأ ينام، يبدأ: مالي ولسعيد بن جبير؟ ماذا فعلت به؟ ماذا بفعلت به! قتلته. قليلا، ويستيقظ فزعا، ويقول: أيها الحرس، اقبضوا عليه، امسكوه. من هو؟ قال: سعيد بن جبير، كان يأخذ بخناقي. أي كان يحاول خنقي. لكن يا هذا، سعيد بن جبير، أنت قتلته قبل شهرين. والآن أمره انتهى، وهو تحت التراب. ولكن مع ذلك ظل شبح سعيد بن جبير يؤرق عليه منامه، فما زال كذلك، حتى مات.

هذا يكفيك أن هؤلاء الظلمة، أخذوا أموال الناس، أزهقوا أرواح الناس، حتى ماذا؟ حتى يرتاحون، ولو أقل راحة، تلك التي يستمتع بها الفقير، ويستمتع بها الإنسان، وهي قضية: النوم. فأنت جرب نفسك، إذا ثلاثة أيام، أربعة أيام، لا تنام، تهلوس. وهذا لا يحتاج مالا، ولا يحتاج كذا. فأحيانا الواحد منا، ولو في الشارع ينام، وشخص آخر في أفخم الفنادق لا يستطيع أن ينام، هذا الظالم. وكم تأرق ضميره ووجدانه، وكم تعكر صفو نومه على هذا الأساس. ونفسه اللوامة إذا كانت بعدها باقية تجعله غير قادر أن ينام. وضميره إذا بقي فيه بقية لا يجعله يرتاح. لكن أنت المظلوم لا تعلم عن ذلك.

أمر آخر، يكفيك من نصر الله لك: أن ترى الظالم يعمل فيك بمعاصي الله عز وجل. فالظالم ماذا يفعل؟ يسلبك مالك، صحيح؟ يضطهدك، يضربك، يؤذيك، وهذه كلها سيئات، كله عقاب مجتمع على ظهره. فهو انتصار عاجل، وأما في الآخرة، فأنت تعلم ما الذي يصنع الله بهذا الإنسان، في بقاء هذا الظالم، وفي بقاء المظلوم.

والآن سيرة الظالمين في التاريخ، وسيرة المظلومين، ليس هناك الآن من أحد من البشر سوي العقل، يتشرف بالانتماء إلى الظالم. فيقول مثلا: أنا ابن يزيد بن معاوية، ويرفع رأسه، كلا. لكن الملايين من البشر يتشرفون، ويقولون: نحن أبناء الحسين. هذا مظلوم، أؤذي، قتل، سلب، ومع ذلك الكل يتشرف به. وذاك الظالم الذي فعل ما فعل، حتى نسله المباشر يتبرأ منه. هذا أيضا إجابة من قبل الله عز وجل.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٤

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة