وأمثال هؤلاء، إذا شعر الإنسان بأنه لا أحد يحاسبه، ولا أحد يعاقبه، هذا قد يدعوه إلى أن يظلم غيره. ولذلك ورد عندنا في الحديث، بل في أكثر من حديث، أنه: إذا دعتك قدرتك على ظلم أحد، فتذكر قدرة الله عليك. عندك عامل تضطهده، تصفعه، تؤخر راتبه، تؤذيه. وهذا العامل المسكين يقول: أنا أين أذهب! هذا باب رزق، ولا بد أن أخضع، ولا بد كذا. فإذا دعتك هذه القدرة على ظلمه، تذكر أن لك موقفا بين يدي الله عز وجل. ستكون أيها البعيد - أنا لا أخاطب السامعين، فهم بحمد الله، أرقى من هذه الأخلاق - فإذا دعت الإنسان هذه الحالة لظلم غيره، ليتذكر يوما من الأيام يقف بين يدي جبار السماوات والأرض، القادر المطلق، وآنئذ يود لو كان نسيا منسيا.
من ذلة ذلك الموقف، نسأل الله أن يقينا هذه المواقف، وأن يعيننا على العدل. ابنك، زوجتك، بل زوجكِ، أيتها المرأة، إذا دعتك ودعتكم قدرتكم على ظلم الضعيف، تذكروا يوما من الأيام. يقول أمير المؤمنين (ع): "لِلظَّالِمِ بِيَدَيْهِ عَضَّةٌ، يَوْمَ يَعُضُّ عَلَى يَدَيْهِ"، أي: يندم، لماذا فعلت هكذا.
أساسا لماذا الإنسان يظلم، أمير المؤمنين (ع)، يقول: "وَكَيفَ أَظْلِمُ أَحَدًا لِنَفْسٍ يُسْرِعُ إِلَى البَلَاءِ قُفُولهَا، وَيَطُولُ فِي الثَّرَى حُلُولهَا". على ماذا أنا أظلم غيري؟ لماذا أسلب أمواله؟ لماذا أؤذيه؟ لماذا أطرده؟ لماذا أضربه؟ لماذا؟ لأجلي نفسي! لأجل هذا البدن! هذا البدن، وهذه النفس، ستسرع إلى الموت، ثم ستبقى رهينة التراب آلاف السنوات، تعبث فيها الحشرات والديدان ويأكلها التراب والمذر. هذه التي أنت اشتغلت لأجلها.
لماذا لم يأت لي بكأس الشاي في وقته؟ ثم صفعة على وجهه. لماذا لم تعمل لي العمل الفلاني، رفسة في بدنه أو بدنها. نفسه هذا البدن الذي لأجله؛ كي الثوب، وشرب الشاي، والحصول على المال، والتنعم فيه، هذا سيطول في الثرى حلوله. هل تساوي شيئا هذه القضية؟ لا تساوي أبدا.
كذلك أيضا أحيانا ترى الشعور باللذة، فهناك قسم من الناس عندهم اضطراب نفسي، يشعر باللذة عندما يظلم غيره، ويضطهده. هناك شيء يتحدثون عنه، من ضمن الاضطرابات، في الموضوع الجنسي، شي يسمى: بالسادية، نسبة إلى بارون الفرنسي الذي كان عنده هذا الانحراف النفسي.
فكان لا يستمتع بالجنس مع زوجته، أو عشيقته، إلا بضربها ضربا شديدا إلى أن تدمى. أي لا بد أن تسيل منها الدماء حتى يرتاح، يستمتع، أي تصيبه النشوة في الجنس بهذه الطريقة. هو انحراف جنسي، وموجود إلى الآن، ويصاب به بعض الناس. فأحيانا هذا يخرج من الحالة الجنسية إلى عموم الحياة عند قسم من الناس.
فتجده يتلذذ بأذى غيره، يرتاح عندما يرى غيره يتألم، يرتاح عندما يرى غيره ذليلا بين يديه، يستعطفه. هذه حالة من حالات السادية، وهو الاضطراب النفسي الذي ينتهي إلى التلذذ بألم الغير.
قسم من الناس هكذا، ظالم يكيف عندما يرى زيد من الناس فقيرا، يقول: اشتغلت عليه حتى أخرجته من شغله، اشتغلت عليه حتى جعلته فقيرا، يتسول. اشتغلت عليه حتى جعلته ذليلا بين الناس. فهو يرتاح إلى هذا الأمر. هذه حالة من السادية في الحياة العامة.
فبعض الظلمة هكذا يرتاح أن يؤذي غيره. أي لما يرى غيره متأذيا، كثير المشاكل في حياته، فكأنه عليه بردا وسلاما، وهذا انحراف في النفس. لذلك حذرنا من الظلم، ودعوة المظلوم. في الحديث، عن نبينا المصطفى محمد (ص)، ما ذكرناه، "اتَّقُوْا دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الغَمَامِ" فهذه لا تحتاج إلى بريد، فهي سريعة جدا. حتى وصفت بأن، ماذا بين السماء والأرض؟ قال: دعوة مظلوم، فقط هذه المسافة، وهي ليست بمسافة كبيرة. فلا تتصور، إذا تحسبها بالكيلو مترات فمن الممكن أن تكون شيئا كثيرا، لكن إذا تحسبها بدعوة مظلوم، فلا، تنطلق في نفس الوقت. "فَإِنَّمَا يَسْأَلُ اللهَ حَقَّهُ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَمْنَعْ ذَا حَقٍّ حَقَّهُ"، كما في حديث أمير المؤمنين، وشبيه به حديث رسول الله (ص).