لماذا يظلمون غيرهم ؟ ٢٧

لماذا يظلمون غيرهم ؟ ٢٧
00:00 --:--

ولعل هذا يفسر لنا ما ورد في أكثر من حديث، من أن حب الدنيا، رأس كل خطيئة. حب الدنيا ماذا يعني؟ يعني أنا أحب الشارع، حب الشارع، لا شغل لي فيه. أحب الشجرة، شي يخصني من الشجرة، أحب البحر، لا. بل معناه: أني أحب ذاتي، وأحب أن تكون هذه الأشياء لي. وهذا هو حب الدنيا. وإلا - مثلا - أنت لديك بستان بطول عرض، فهذا لا أحبه أنا، أحب البستان لما يصبح لي. أنت عندك سيارة، فلا أحبها هذه، إنما أحب أن تكون لي.

ففي الواقع هو حب لذات الإنسان. حب الذات، إذا لم يسيطر عليه الإنسان؛ لأن حب الذات كغريزة، إذا ظلت ضمن تعادلها، فهذه نعمة من النعم. أما إذا تجاوزت حدودها، تصبح مقدمة لظلم الآخرين. أنا أحب ذاتي، وأريد أن أجلب لها الخير، ولو بسرقة مالك، ولو بالسيطرة على فرصتك، ولو باستلاب حقوقك، هذا حب للذات، لكن مبالغ فيه، وغير صحيح. هذا أول سبب من الأسباب التي تذكر.

من الأسباب التي تذكر في قضية ظلم الآخرين، وأنه كيف يحصل: شعور بالقوة. شعور الإنسان بأنه قوي، وبأنه لا أحد يستطيع محاسبته أو معاقبته. فيرى نفسه في بيته هو السيد، يضرب هذه الزوجة، ولا تستطيع هي أن ترد عليه، فتذهب لتشتكي عند أهلها، فيقول لها: إن ذهبتِ، أتتك ورقة الطلاق في اليوم التالي. عنده طالب يؤذيه، يظلمه، فيقول: إن أخبرت، علامتك سترجع إلى نصف الدرجة. وليس من طريقة للوقوف أمامه.

فإذا شعر أحد أنه قوي، بالمقدار الذي لا يستطيع أحد أن يقف أمامه، لا أقل في دائرة ظلمه، فهذا يدعوه إلى ظلم الغير. حتى إذا تنصحه، أو تعظه، أحيانا لا يتأثر؛ لأنه لا يزال يشعر بالقوة، والقدرة، وأنه لا أحد يستطيع أن يقف أمامه.

ولذلك - مثلا – هذا النمط من الناس، عندما بالفعل يُرفع أمره إلى جهة أقوى منه وأقدر، تراه، حسب التعبير، يخنع ويركع، ويصبح أذل من الذليل. يعنف - مثلا – أطفاله: ضرب، صياح، ألفاظ بذيئة، تعذيب أحيانا كما يصل عند بعضهم. فإذا والدة هؤلاء رفعت التلفون، وكلمت - مثلا - جهة تهتم بالحماية الأسرية: فإذا قبضوا عليه، وحكم القاضي عليه بكذا وكذا، تراه يصبح خاضعا، خانعا، ذليلا. أين ذاك الجبروت، وين تلك الحالة الفرعونية خاصته؟ فذلك كان يمارسه عندما كان يتصور أن لا أحد يستطيع أن يقف في وجهه. أما الآن، فالذي حصل أن هناك من هو أقوى، فأصبح ذليلا، خاضعا. فمن الأسباب التي قد تدعو إلى الظلم، عند بعض الناس، شعورهم بالقوة، وأنه لا أحد يستطيع أن يقف أمامهم. وهذا الأمر هو الذي يصنع حالة الطغيان عند بعض الحاكمين.

في بلد من البلدان، هو رأس القوة، ورأس القدرة، فلو قتل عشرة، قتل مائة، قتل ألف، قتل عشرة آلاف، فلا أحد يقف أمامه. افترض، مثل هؤلاء، فقبل مدة نقلوا عن أحد من قادة الصرب في البوسنة - الصرب والمسيحيون أعملوا القتل في المسلمين البوسنيين، قبل عدة سنوات، فيما عرف بقضية البوسنة، وصارت اغتصابات، وقتل، وذبح.

فيما بعد، رفع أمر هؤلاء قادة الحملات هذه - حملات القتل والاغتصاب - إلى المحكمة الدولية، وظلوا يطاردونهم بالفعل، إلى أن تمكنوا قبل شهر من الزمان أو أقل من القبض عليهم. أحد هؤلاء القادة الكبار أتوا به إلى المحكمة الدولية، وهو مدان بالوثائق وكذا، فرأى نفسه محاصرا، فأخرج قارورة سم، وشربها في نفس المحكمة.

هذا الذي كان يقتل، وقوي، وشجاع، ولا أحد يوقف أمامه، وإلى آخره. الآن منهزم أمام قرار من محكمة من المحاكم، فينهي حياته بهذه الطريقة. هو كان أكثر توفيرا له أن لا يستقوي اك اليوم على الضعيف، وأن لا يقتل ولا يفعل ما فعل. أو آخر تراه بعدما قتل، وشرد، وذبح، وسجن، يهرب من مكان إلى مكان، ومن حفرة إلى حفرة، كالفئران، إلى أن قبضوا عليه، وذهب لكي يواجه جزاءه الإلهي.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٤

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة