٢٥ لماذا يظلمون غيرهم؟
كتابة الأخت الفاضلة أمجاد عبد العال
ورد في الحديث عن كما روي عن رسول الله (ص)، أنه قال: "اتَّقُوْا دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الغَمَامِ، يَقُولُ اللهُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ". وفي حديث مروي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: "اتَّقُوْا دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهُ يَسْأَلُ اللهَ حَقَّهُ، واللهُ سُبْحَانَهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ حَقًّا إِلَّا أَجَابَ" صدق سيدنا ومولانا رسول الله، وصدق وصيه أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليهما وعلى آلهما.
حديثنا يتناول حلقة ضمن سلسلة الأمراض الأخلاقية والصفات الذميمة، وهي تتمة لحديث سابق حول صفة الظلم، ومرض الظلم، الذي قد يبتلى به بعض الناس تجاه غيرهم، سواء في حياتهم الزوجية، أو في حياتهم الأسرية الأعم من القضية الزوجية، أو في الحياة الاجتماعية عموما.
حديثنا يكون بعنوان، لماذا يظلمون؟ لماذا يقوم إنسان بظلم إنسان آخر؟ وبالرغم من أن الأسباب متعددة، إلا أننا نتناول ما هو قريب منا في الحالة الاجتماعية؛ لكي نتجنب هذه الأسباب؛ ولكي نبتعد عن هذه العوامل التي قد تدعونا إلى ظلم غيرنا.
من تلك الأسباب: أن الإنسان الظالم لغيره يرى نفسه المحور، ويرى نفسه الأفضل، ويرى أن تحصيل الأشياء لنفسه، ولو كان من غير حق، من الآخرين، أمرا طبيعيا؛ لأنه يرى نفسه ذات أهمية. فلو نظر الإنسان إلى غيره على أنه يساويه، كما جاءت الرسالات، وتحدث الأنبياء والأوصياء والمصلحون، وأنك أيها الإنسان عبد كسائر العباد، ومخلوق كسائر المخلوقين. وأنك لا تفضلهم ولا تشرفهم بشيء إلا بالتقوى وأمثالها.
أما أن تعتبر نفسك؛ لأنك فلان ابن فلان، فأنت أفضل من غيرك، فلذلك، لو أخذت ماله، فلا بأس؛ ولأنك إنسان غير طبيعي وأفضل منه. فهذه الفكرة هي بوابة لكثير من المشاكل، منها: المشكلة العنصرية. فبعض الأمم ترى نفسها أفضل من الأمم الأخرى.
فلا مانع لديهم أن تسيطر على أموالها، على أراضيها، على غير ذلك. فاليهود - مثلا - يعتقدون في تعاليمهم المحرفة بأنهم أفضل من سائر البشر، لماذا؟ لأنهم أبناء الله، (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)، فإذا كان أحد هو ابن الله، وحبيب الله، فمن الطبيعي أن يكون في رأيهم أفضل من ذلك الذي ليس ابنا لله ولا حبيبا له. ويترتب على هذا أن يعتقدوا أن من كان من غير أبناء الله، إنما خلقوا لخدمة أبناء الله. فسائر البشر خلقوا لخدمة اليهود في رأيهم. وهذا ما هو محرف من التوراة، وإلا الدين لا ينزل على هذا النحو.
فحتى ما ورد في تفضيل – مثلا - أمة الإسلام، فليس لذاتها، (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)، ليس لأن اسمكم: عبدالله، وسلمان، وجعفر، وقاسم، وزيد، وبكر، وعمر، لا، لأنكم ماذا؟ تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله، وتفعلون الخير، فهذا الذي يجعلكم أصحاب فضيلة. لا لأن ألوانكم: سمراء، ولا لأن أسماءكم: كذا وكذا، ولا لأن أنسابكم هي: بهذا النحو. فإذا توفرت هذه عندكم أصبحتم أفضل الناس، وإذا توفرت عند غيركم، فأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وفعلوا الخير، أصبحوا أحسن منكم.
فالظالم، عندما يأتي ويظلم غيره، هو يعتبر نفسه الأفضل، الأحسن، فيبلغ حب الذات عنده درجة متقدمة، بحيث يرى من الطبيعي لو أخذ أموال غيره، لأنه هو ليس شخصا طبيعيا عاديا، فمن الطبيعي أن يسيطر على حقوق الآخرين، فذاك ماذا قيمته أمامه، ليس له قيمة في رأيه. ولعلك تقول: لا أحد يفعل هكذا! اختبر نفسك، وأختبر نفسي باختبار بسيط جدا.
انظر، أنا وأنت لما نركب السيارة، وهذا اختبار قريب جدا، وسهل، حتى ترى وأرى نفسي ونفسك، هل نحن من هذا النوع، أم لا. فإذا أنا في السيارة، أريد طريقي فارغا، فإذا المشاة عبروا أمامي، قلت: ماذا يصنع هؤلاء، يفسدون النظام، ماذا يضرهم لو تأخروا الآن لدقيقة، ووقفوا على الرصيف إلى أن تمر سيارتي. اليوم الثاني: عكس الموضوع، أنت وأنا من المشاة، وأحدهم قادم بسيارته ويريد أن يعبر، فنبدأ نقول: ماذا في هؤلاء؟ أصحاب السيارات، والسائقين، ماذا يضرهم لو تأخروا الآن لنصف دقيقة، وخففوا السرعة، وجعلونا نعبر! ماذا سيتأخر عليهم، ماذا سيخسرون؟