من مظاهر الظلم بين الآباء والأولاد ٢٦

من مظاهر الظلم بين الآباء والأولاد ٢٦
00:00 --:--

وقد تجد من أوضح الأمثلة على ذلك، في هذه الأزمنة، أن بعض الآباء، لنفترض عنده عدة أراضي، فيعطي أرضا إلى زيد الكبير، وعمر الوسط، وبكر الصغير، وعنده إلى جانب هؤلاء بنات، وربما تكون هذه البنات محتاجات إلى السكن، وزوجها مثلا قد يكون ضعيفا، وغير قادر، مع ذلك لا يعطي، هو فقط يعطي الأولاد الأرض والمسكن. أما البنت، لا. فذنبها على جنبها وجنب زوجها، فلماذا هنا تصرف على ابنك وهو ذو القوة، وهو ذو الشوكة، وهو الذي يستطيع أن يدبر أمره، بينما تحرم منها بناتك وهن قد يكن أحوج إلى المساعدة.

والأمر عادي ووارد عند قسم من الآباء، إذ يقول إلى ابنه: تعال اسكن في الملحق عندنا، في الشقة التي أمتلكها، أما البنت، فلا. لا بد أن يدفع زوجها مالا، وإن كان محتاجا. فربما هذا الابن ليس محتاجا، مع ذلك، يقول له: نعم، ابق في هذه الشقة مجانا. وابنته محتاجة إلى الريال مع زوجها، مع ذلك، يفرض عليه ماذا؟ الإيجار، والعطاء، وما شابه ذلك. فهذا في بعض الدرجات، عدم الاعتراف الرسمي، عدم الاهتمام، عدم ترتيب الأوراق، عدم المساعدة، قديكون في بعض صوره نوعا من أنواع ظلم الوالد لبعض أولاده من الذكور أو الإناث.

كذلك مما يحسب من الظلم: عدم القيام بحقه، مثل: التعليم. فالآن، في هذه الأزمنة، من حقوق الولد على أبيه، أن يقوم بتعليمه التعليم المتعارف. فليس واجبا عليه أن يسجله في أرقى المدارس وأغلاها. ولكن التعليم العادي الرسمي، الذي لا يكلف الوالد إلا الذهاب إلى المدرسة، وتسجيل الاسم، قد يكون من الحقوق العرفية للولد. وقسم من الآباء لا يعترف بهذا الشيء. ويبقى هذا الابن أو هذه البنت، خارج هذا الإطار، وتمر عليه السنوات، ولا يستطيع إدارة حياته؛ لعدم تعلمه، وتقصير أبيه في تعليمه.

فهذا من أمثلة ظلم بعض الآباء إلى أولادهم، من الذكور أو من الإناث. وقد تنعكس المعادلة، عندما يظلم بعض الأولاد آباءهم، ولا سيما في مرحلة الكبر. فيبلغ الإنسان، أي إنسان، أنت الآن شاب، عمرك ٣٠، ٤٠، وأكثر وأقل، بعد فترة من الزمان تصبح – أطال الله عمرك في خير وعافية - من أبناء الثمانين. وذاك الوقت، ابنك عمره - لنفترض - ٥٠ سنة، أو أكثر، أو أقل، وهو في عز نشاطه وقوته.

فأحيانا تنقلب المعادلة، فيقوم الابن، وأحيانا البنت، بظلم الأب أو الأم. من أمثلة ذلك: التحكم فيه، فيما يحب ولا يحب. فقسم من الأبناء يعتبرون والدهم صاحب أفكار غير صحيحة، وانتهى به الأمر إلى الخرف، وإلى آخره. وعليه، نحن لا بد أن نديره، وأن نعين له ماذا يريد وماذا لا يريد. نعم.

في بعض الحالات، التي لا يلاحظ فيها الأب - مثلا - مقتضيات الصحة من باب الشفقة عليه، والعناية به، ينبغي ذلك، ولكن بلسان حسن. وأما أن أعتبره مثل الأطفال، وأوجهه، وآمره: ثم، واجلس، وافعل، ولا تفعل، كأنما هو واحد من أطفالي، فهذا لا، يعد ظلما من بعض هؤلاء الأبناء لآبائهم وأمهاتهم، لذلك تهديد في القرآن الكريم: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا).

ومن أمثلة الظلم التي قد تحصل في بعض الحالات، وهي موجودة للأسف: حرمان الأبوين من حياتهما الزوجية. إذ يحصل أن الوالد مثلا، تتوفى زوجته، وعمره الآن ٦٥، ٧٠ سنة، أكثر، أقل، وأن شيئا ما أمره بيد أبنائه، وهناك بعض الأسر هكذا. فيفرض هؤلاء الأبناء، وأحيانا البنات، على أبيهم أن لا يتزوج. ولا سيما بعض البنات: فكيف يأتي أحد ويأخذ مكان أمنا الغالية العزيزة؟!

هذا رجل، له حاجات في الرعاية، في العناية، في الرغبة الجنسية، ولو بدرجة عمره. نعم، أنت يمكنك أن تأتي، فتعدين لع الغداء وكذا، وغالبا، كل واحدة، وكل واحد، ملته بحياته الخاصة. فتمر بعض الأحيان التي هي نصف ساعة، ساعة، أو غير ذلك، يكون فيها هذا محتاج إلى من يعتني به، لا سيما في هذه الفترات. فتأتي هي وتقول لك: لا. لا أحد يأخذ يأخذ مكان أمنا، ولا نسمح أن يتزوج والدنا! وهذا من أشنع، وأسوأ، أنواع الظلم والعقوق. لا سيما إذا كانوا قادرين على هذا الأمر.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٤

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة