من الظلم في خارج هذه الدائرة الأسرية، ما يرتبط بالعاملين تحت يد الإنسان: كالعاملة المنزلية. وقد تحدثنا في وقت سابق عن هذا الجانب، ولكن نشير إشارة سريعة. فمن الظلم عدم الوفاء بالعقد معها. فمثلا: أنت وقعت معها عقدا، أن هذه لها يوم في الأسبوع ترتاح فيه، بينما البعض في ذاك اليوم يجعلونها تعمل أكثر من سائر الأيام. هذا إذا لم يكن برضاها، وفي مقابل أجر، يعد ظلما بالنسبة لها. فأنت منها تأخذ شيئا ليس من حقك.
مثلا في يوم الجمعة، لو فرضنا أنه من ضمن العقد أن تستريح، وأن لا تعمل. في هذه الحالة إذا أنت جعلتها تعمل، ولم تعطها شيئا إضافيا، ولم يكن هذا برضاها، برضاها يعني ماذا؟ لا يعني أن تقول لها: إذا لم تعملي، فخروج بلا عودة. فليس هذا من الرضا. هذا يعد ظلما لها.
ومثل ذلك عامل الشركة الذي يرتبط معك بعقد من العقود. فتأخير الرواتب بالنسبة لهم، والتهديد بالاقتطاع، فضلا عن الاقتطاع من غير حق، طيب، هذا من الظلم. وأما الكلام عن العنف اللفظي والشتم وما شابه ذلك، بل والضرب فهذا أسوأ درجات الظلم.
أشير إلى نقطة هنا، وهي منتشرة للأسف في هذه الفترات، وأنهي بها الحديث، أنه نحن نلاحظ بين فترة وأخرى أن، قصصا وصورا وفيديوات، تنتشر عبر الوتساب ووسائل التواصل، عن بعض العاملات، أن انظر إلى هذه العاملة كيف تدوس على بطن الطفل ذاك! وتلك العاملة تضع أشياء قذرة في الطعام! وثالثة تسرق مثلا! وهذه كذا. وأنا ألفت النظر إلى ضرورة التنبه إلى هذا المعنى. فإعادتك لهذه المقطع وما شابه ذلك، قد يسهم في ظلم امرأة بريئة. لأن هذا الفيديو كأن له رسالة معينة، وهي: أن كل العاملات اللواتي من هذا النوع، مجرمات. وكل العاملات اللواتي من هذا النوع سارقات، كل العاملات هن غير أهل للثقة، وهذا يحرضك على العامل الذي هو، والعاملة التي هي، عندك.
ما يذكر من أن هذا رب العمل! سبحان الله، هل كان ملاكا من الملائكة نازلا من السماء، وهي فعلت له ولأهله هذا الأمر. لا، هات أيضا بالفكرة الأخرى، لماذا لا ينتشر مثل هذا الأمر؟! الغرض منه: إشاعة جو من هذا القبيل، وأحيانا أنا وأنت بإعادة نشرها وتكرارها ،نشعل جو التشنج تجاه ربما عاملة فقيرة مستضعفة تركت أهلها، وأبناءها، وعائلتها؛ من أجل أن تكدح من الساعة السادسة صباحا إلى نصف الليل، حتى هذا المقدار من المال تحصل عليه؛ لأهلها.
لا ننكر أن هناك سيئات من العاملات، وأن هناك سيئين من العمال، لكن تصوير الأمر وكأن أرباب العمل هم ملائكة مقربون، وأنهم دائما هم المظلومون، وأن العاملة والعامل هم السيئون والخاطئون، هذا أمر غير صحيح.
فأنت لا بد أن تتعامل مع هذا العامل الذي تحت يدك وتنظر كيف هو، وهذا بمقدار أيضا. فالغالب هكذا (من يعمل مثقال ذرة خير يره)، أنت تكرمه، الغالب أنه يكرمك. تكون صادقا معه، يكون صادقا معك. تعطيه أجره في وقته، يعطيك عملا حسنا وجيدا. الغالب هكذا. ولا أقول كل شخص.
مثلما أن في أرباب العمل يوجد سيئون، في ذاك الطرف يوجد سيئون. فالإنسان ينبغي أن يحذر من الظلم، لا سيما لمن هو تحت يده، وهو ضعيف، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبعد عنا الظلم فعلا، أو أن يقع علينا الظلم من أحد، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.