٢ أرضية نشوء المذاهب في الإسلام.

٢ أرضية نشوء المذاهب في الإسلام.
00:00 --:--

الاتجاه الثاني: الذي هو مدرسة الرأي كما ذكرنا، هذه المَدرسة وهذا التوجه لم تكنْ العناية الكافية فيه بتدوين أو نشر حديث رسول الله (صَلى الله عليه وآله) إلا في وقتٍ متأخر جداً، تعلمونْ أنّ تدوين الحديث والسنة النبوية بشكلٍ رسمي إنما كان في زمان عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي سنة ٩٩ هجرية، أيّ بين وفاة رسُول الله سنة ١١ وبين ٩٩ هجرية ٨٨ سنة، وطيلة هذه الفترة لمْ يكن هناك قرارٌ رسمي بتدوين السنة النبوية، بل الآثار تدل على أنّه كانَ هناك قرار بمنع التدوين.

 الروايات كانتْ كثيرة من حديثْ حَول إحْراق بعض الأحاديث، وإتلاف بعضها الآخر، ومنع الصحابة من التحديث، وحتى لو تم إنكار بعض هذه الأحاديث كما هو الحال عند بعض محدثي مدرسة الصحابة حيثُ ينفون صحة بعض هذه الأحاديث لكنْ الشواهد التاريخية تدل على أنّه كان هناك إغفالٌ و منعٌ للتدوين ونشرْ السنة النبوية هذا من جهة، من جهة أخرى فإنّه توسع هذا الاتجاه في إعمال الرأي إلى أن وصل إلى ما يسمى اليوم بالاجتهاد في مقابل النص. أيّ الاتجاه الأول في مدرسة النص التي كان على رأسها أمير المؤمنين (عليه السلام)، إذا جاء حديث من أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخضع له الجميع ويقبلونه ويسلمون في قوله تعالى: " فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" (٩). الاتجاه الآخر لم يكن كذلك، كان أيضاً عنده شيء من إبداء الرأي، فأنصار هذه المَدرسة بعض الأحيان لتوجيه هذا الكلام يقولونْ: هؤلاء لم يكونوا يعملونْ بالنصوص وإنما كانوا يعملون بروح القانون، وأحياناً  يقول لك أن هؤلاء كانوا بدل أن يعملوا بالحرف هذا والنص هذا ينظر إلى الظروف الزمانية والمكانية المتغيرة فيحكمها لكن النتيجة هي واحدة.

صُور استحداثْ وتغييرْ النصوصْ والأحكامْ.

النتيجة أنّ حَديثاً من أحاديث رسُول الله صلى الله عليه وآله تم تعطيله وأنّ اجتهاداً من قِبل بعض أصحابه إذ قدم على ذلك الحديث وقد تعرض الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين، رحمَهُ الله صَاحب كتاب المراجعات وكتاب النص والاجتهاد. في كتابه النص والاجتهاد توجه إلى موارد كثيرة جداً إذ تم فيها إلغاء الحديث النبوي وإنشاء حكم جديد، على سبيل المثال: واحد من الأمور في الحج. كما تعلمون أن هناك حج تمتع، وكان في زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) معمول بحج التمتع، و يتكون من جزأين: الجزء الأول: عمرة التمتع، ثم يتحلل الإنسان ويمارس أموره الاعتيادية، يستطيع أن يتطيب، وأن يتزين، وأن يقص شعره، وأن يقارب زوجته، وأن،،، إلى غير ذلك، ثم ينشئ إحراما للحج بعنوان: حج التمتع، وخلال هذه الفترة تُعَد مثل فترة استراحة، ولذلك سُمي بحج التمتع إذ يتمتع الإنسان في هذه الفترة الفاصلة بين العمرة وبين الحج، ويتحلل من محرمات الحج. وهذا كان موجود، وعُمل به لكن الخليفة الثاني بناء على ما ارتآه هوفقد ألغى هذا الأمر. أنقل لك الحديث من صحيح مسلم: في الحديث عن أبي موسى الأشعري، أنه أي أبو موسى، كان يفتي بالمتعة بالحج، يقول للناس: حجوا حج التمتع. فقال له رجل: رويدك، ببعض فتياك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين. يعني: عمر!  فلماذا أنت تفتي بالناس بمتعة الحج، أما تدري أن الخليفة أحدث حكماً آخر؟ ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعد أما تعلم ما حدث؟ حتى لقيه أيّ أنّ أبو موسى لقيَ الخليفة، فسأله بلغني هذا الأمرْ، فقال عمر قد علمت أن النبي قد فعله وأصحابه، أعلَم بأن النبي عمل حج التمتع، وأصحابه أيضاً عملوه، ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك، ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم. أيّ رأيت أنه من غير المُناسب بأن تكون محرماً للتو، وتطوف، وفي حالة عبادية، إذ تنتهي من هذا ثمّ تذهب إلى زوجتك، وتقاربها ثمّ تأتي مُغتسلاً في كل حين، ورأسك يقطر ماء، ثمّ تأتي للحج مرة أخرى فعليك التعقّل، (فكرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك) أيّ في هذه الأماكن التي فيها شجر الأراك، إذ أنه في ذلك الوقت لم تكن هناك مساكن ومباني ثم يأتون إلى الحج بعدَ أنْ قارب زوجته ثمّ يذهب ليحرم، و رأسه لا يزال رطباً من ماء الاغتسال. هذا الأمر يُعتبر رأي أيّ أنه أنت لا تتذوق هذا الأمر، لكنّه شرَعه الله سبحانه وتعالى وفعله رَسُول الله، هذا الاتجاه وهذا الخط كان بالنسبة له كقضية الرأي، حتى نفس عبارة صحيح مسلم: فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك! أيّ لا تعلم ما لجديد الذي استحدثه بينما كان هذا هو السائد.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة