بمعنى أن الكتب والثقافة والمعرفة لا تُجدي نفعا أمام السيف فهو الصادق القادر والفاهم، فهي معادلة بين الكتاب والسيف، وبين السلاح والعلم، فالشاعر هنا فهم أن صاحبه من أهل السيف لا أهل العلم فقال له هذا الكلام، وقد غشهُ في ذلك، فالصحيح أن الرأي قبل شجاعة الشجعان، وأما العلم “يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ”.
ضمنَ نفس هذا التوجه، المعتصم صنع له ميليشيا، وهو أولُ خليفةٍ في تاريخ المسلمين في فعل هذا، المعروف أن السلطان أو الحاكم يكون له جيش للبلد وللمسلمين أو جيش الخلافة، الكل لا بد أن يُساهِمَ فيه بحسب قُدرته، في فترة من الفترات كانت حالة الجيش حالة تطوعية، فلو قامت حرب بين المسلمين وجيش آخر فإن أي شخص يحمل السلاح ينضم للجيش ويُقاتل، فيما بعد أصبح الجيش بإسم ديوان الجند وهو شيءٌ مكتوب وبه موظفون يسمون بالعسكر وأسماؤهم مسجلة في ديوان الجند ولهم مبلغٌ مالي من الدولة، ولكن هؤلاء كانوا يُمثلون جيشا للدولة ككُل.
المعتصم صنع لهُ ميليشيا، أمُه كانت تُركية، فجاء بالأتراك وقد كان يثقُ بهم أكثر من العرب، واستورد الصقالبة والشراكسة والأتراك من كل مكان إلى أن وصل عددهم ١٨ ألف تركي، وأجرى عليهم العطاءات والأرزاق، وقد كانوا مختلفين في لغتهم وثقافتهم عن لغة وثقافة الناس، ولا يعرفون شيئا غير المعتصم وليُ نعمتهم، وكان الحال هكذا حتى ضاق الناسُ بهم في بغداد، فالعسكر التركي كانوا إذا دخلوا على حانوت مثلا يأخذ شيئًا دون دفع حقه، والناس لم تكن تسطيع الكلام مع العسكر خوفًا منهم، فضاق الناس بهم وتحدثوا مع المعتصم فأخرجهُم وانتقل هو أيضاً معهم إلى سامراء، التي عُرفت منذ ذلك الوقت بالعسكر.
فالرجل كان هكذا عسكري، وشديد، وينقلون في تاريخه أنهُ رُفِع إليه في إحدى حروبه أن أخاهُ العباس قد تواعد مع قائد عسكري اسمهُ عُجيف ابن عنبسة، وهو الذي قضى على ثورة الزُط، وهي ثورة حصلت في جنوب الأهواز والبصرة واستمرت من عصر المأمون إلى بدايات عهد المعتصم، فأُرسِل إليهم هذا القائد واستطاع أن يقضي عليهم، فهو كان مخلص لقائدهِ المعتصم.
إذن سمع المعتصم أن أخيه العباس وهذا القائد كانوا قد تحدثوا حوله، فرجع من فوره وألقاهما في السجن بلا تحقيق وبلا استجواب أو سؤال أو كلام، ومنع عنهما الطعام والشراب إلى أن هلكا.
فهو عسكري الصفات، لا يُوقِرُ عالمًا ولا عارفًا ولا فاضلا ولا مثقفا، بل لا يُوقر من يظنُ أنه يحيد عن ولائه قيد أُنملة، وقد عاصرت هذه الشخصية الإمام الجواد (ع) مدة سنتين إلى سنة ٢٢٠ هجرية التي استُشهد فيها الإمام الجواد (ع).
واستشهادهُ (ع) فيه إشارةٌ إلى صحة ما ذُكر عن المعتصم، فالإمام (ع) بقي في عصر المأمون قرابة ١٥ سنة وهو يعلم أن الإمام لا يعتقد بخلافته، ومع ذلك تعايش معه هذه المدة، ولكن المعتصم عاصر الإمام لمدة سنتين فقط، إحداها كان منشغلا فيها بالحرب مع الروم في قضيةٍ فيها من المبالغات الشيء الكثير ولكن ليس لدينا فرصة الآن للتحدث فيها، ولكن المعتصم انشغل في هذه السنة بهذه الحرب، والسنة الثانية حين تفرغ فيها مباشرةً قضى على الإمام الجواد (ع)، وهذا يُبين طبيعة هذه الشخصية الحادة والقاسية التي لا تتحمل أن يكون أحدٌ إلى جانبها، مع أن الإمام الجواد (ع) كان في عصره كثير الملاحظة للوضع، فالروايات تذكر أنهُ (ع) في سنة ٢٢٠ هجرية -وهذه هي الرواية المعروفة رواية علي بن مهزيار- وهي نفس سنة شهادة الإمام (ع)، فإن الإمام في هذه السنة حلَلَ الناسَ في الخمس، أي أخبرهم بعدم نقل أخماسهم له وأنهم في حلٍ منها، لماذا؟ لأن المعتصم بدون الخمس وهو ينفعل ويتحسس ويقسو، فكيف لو أصبحت الأخماس عند الإمام (ع)، فهذا يُوضح الوضع الذي كان يعيشه الإمام (ع) في ذلك الوقت.
وقد أحسن الشاعر دعبل الخزاعي ،الذي استشهد وهو في الأهواز، حين قال في المعتصم: